هل يبدع المصريون أساليب جديدة للكفاح؟! أم ستظل ريما على عادتها القديمة؟!

 لم يستطع كاتب أو مفكر أو ناشط سياسى حتى اليوم أن يفسر لنا ماآل إليه حال الحركة السياسية المصرية ولو بشكل مجازى. ورغم تعدد الصحف الجديدة وتزايد كتابها، ومع استحداث المدونات على شبكة المعلومات الدولية وتضاعف أعدادها.. لم يخرج علينا كاتب أو مدون بتشخيص مفيد للأزمة التى يعيشها الشعب المصرى.  لكن الشىء الوحيد الذى حاز على مايشبه الإجماع هو أن مختلف فئات الشعب وشرائحه قد قررت الاحتجاج.. والتذمر. بعيدا عما يسمى بالنخب السياسية.. أو عما تم التعارف عليه بالرموز المعروفة بمعارضتها للنظام الحاكم وأسفها لما آلت إليه أحوال الشعب من فقر وبؤس وقهر ولما وصلت إليه مكانة مصر من تدهور على المستوى الإقليمى والدولى.  لكن تلك التفجرات المتناثرة لم تفرز قادة متقاربى التوجهات قادرين على لحم هذه الحركات الاحتجاجية فى مجرى واحد ولو فى حده الأدنى ويستحث تفجرات أخرى لنفس المسار ويدفع بها إلى الأمام لتحاصر ولو بالتدريج جملة السياسات الرسمية وتجلياتها العملية.. وتعطى الأمل فى بديل حقيقى يقود الشعب للتغييرأو حتى لخلق إرهاصات مناخ مخالف لما هو جاثم فوق رؤوسنا من سحب داكنة خانقة .

ويتصور البعض أن تحقيق تلك الأمانى لا ينقصها سوى الوقت لتنضج .. ويتصور بعض آخرأن ما يمور به المجتمع ويعتمل فيه يفصح عن أن التغيير القادم على الأبواب.

  وينسى هؤلاء وأولئك.. أن الطاقة الثورية أو بتسمياتنا الطاقة الاحتجاجية لأى شعب ليست مفتوحة الحدود وبلا نهاية، بمعنى أن الطاقة الثورية فى كل فئات المجتمع ليست واحدة.. ولا تتفجر فى نفس اللحظة ولا بنفس القوة أوتتخذ نفس المسار والوجهة.. تماما مثل روافد أى نهر .. متفاوتة الاتساع والعمق والتضاريس والاندفاع لكنها جميعا تصب ماءها فى نقطة محددة أو فى نقاط متقاربة بالدرجة والشكل الذى يجعلها تخلق تيارا فى اتجاه محدد .. وتحفر مجرى بعمق مناسب .. لتندفع مياه تلك الروافد أو أغلبها مكونة مجرى النهر.

وبافتراض أن الإنسان فيما مضى كان يمكنه التدخل لتعديل بعض مسارات تلك الروافد أو تعميقها.. حتى لا تتبدد فى اتجاهات شتى .. فإنه تبقى لفكرة تَشكُّل أو تشكيل مجرى النهر صوابها فى صلتها بالممارسة السياسية.

 

فهل نسعى نحن لمثل هذا التدخل- مع الفارق طبعا فى القياس- لنتيح لروافد الاحتجاجات الشعبية أن تلتقى فى نقطة واحدة أو نقاط متقاربة بحيث تساهم فى خلق مجرى لنهر التغيير المنشود؟!

هذا هو السؤال.  

 

و محاولة التمهيد للإجابة عنه تفرض علينا التعرض فى إيجاز لقوى ثلاث فى المجتمع:

 

1- النظام الحاكم: الذى آثر أن يلتحق بالقوى الأشد محافظة على المستوى الدولى ويهادن رأس حربتها فى الشرق الأوسط (إسرائيل) ردحا من الزمن ، ويتحالف معها ردحا آخر .. وفى الحالين يستخدم الاستبداد أسلوبا للحكم، والفساد وسيلة للإثراء والبقاء.. غير معنىّ بأبسط البديهيات التى تلزم صاحب الدجاجة التى تبيض ذهبا بإطعامها لتستمر فى البيض..  ومتصورأن العصا الغليظة ستُبقى الشعب  دائما قطيعا سلس القياد والتوجيه.. وهو فى ذلك المسار متجه نحو نهايته، وعليه فمحاولات ترشيده.. أو على الأدق إطالة عمره ستبقى محكومة بميزان القوى العالمى من ناحية .. وبقدرة المحكومين على مواجهته من ناحية أخرى.

باختصار ما يتخذه النظام من توجهات وما يستخدمه من وسائل للحكم تتسق تماما مع كونه نظاما فى بلد متخلف كما تتسق مع ثقافة حكامه وكتله المالكة لا أكثر .. وتحتاج من الشعب  إلى مستوى متناسب – من حيث الوعى والقدرة على الحركة- من تلك التوجهات والوسائل المستخدمة.. لفلّها وتثبيط مفعولها وأخذ زمام المبادرة منها لتدور عجلة الصراع الحقيقى فى أحشاء المجتمع وتصل إلى نهايتها المنطقية.

 

 2- التيار السياسى السلفى:الذى نشأ ونما متنقلا بين ولاءات شتى ( الاستعمار، القوى المحافظة، القصر) ومستخدما أساليب وطرقا براجماتية جوهرها الغاية تبرر الوسيلة، لذلك كان تغيير الجلد والخطاب فى أى لحظة منطقا حاكما لمساره السياسى. 

 و