لماذا ننحاز لنقابة للفلاحين الفقراء والصغار وليس لكبار المزارعين ؟

ــــــــ

كيف نفرق بين الفلاح والمزارع الكبير ؟ ولم ننحاز للأول وليس للثانى..؟

للإجابة عن السؤالين لابد أن نتعرف على كل منهما.

فالفلاح هو من يزرع الأرض بيده ولا يستعين بقوة عمل الآخرين( أى باستئجار عمال زراعيين ) لإنهاء عمله إلاّ
فى بعض المواسم الخاصة جدا وعادة ما يكون ذلك فى عمليات الحصاد والجنى وحالات قليلة أخرى.

- ولأن حالات الحصاد والجنى لا تستمر إلا لأيام معدودة .. ولأن المحصول وقتها يتطلب جمعه بسرعة حتى لا يتبعثر
فى الأرض أو يفسد أو تقل جودته ؛ ولأن استغلال الحقل الذى يزرعه يحتاج لإخلاء المحصول القديم منه بسرعة لكى يتم إعداده لاستقبال المحصول الجديد ؛ لذلك لابد من من إجراء عملية حصاد القمح أو جنى القطن أو كسر القصب أو جمع الطماطم بسرعة كبيرة، ولو كان لتلك العمليات أن تتم بنفس الوتيرة والبطء الذى تتم به باقى العمليات الزراعية لما احتاج الفلاح لاستئجار عمال أو الاستعانة بآخرين لمساعدته فى القيام بها؛ وقديما كان الفلاحون يتزاملون فى عمليات الجنى والحصاد  بدلا من استئجار العمال .. لكن الزمن تغير .

- من ناحية أخرى فالفلاح الذى يعمل فى أرضه.. سواء كان مالكا أو مستأجرا لها .. لا يزرع سوى ما تستطيع قوته
وجهده هو وأسرته القيام به .. سواء من حيث مساحة الأرض التى يزرعها أو من حيث نوعية المحصول الذى يختاره ؛ وعادة لا تزرع الأسرة ( أى الفلاح وزوجته وأولاده) أكثر من فدادين قليلة تتراوح بين قراريط معدودة وخمسة أفدنة .

- ومن ناحية ثالثة .. فهذا الفلاح عادة ما يزرع أرضه لثلاثة أغراض مجتمعة ربما لا يفى منها سوى بغرضين ؛ أولها الحصول على غذائه وغذاء أسرته ؛ وثانيها توفير طعام ماشيته ؛ وثالثها هو الحصول على بعض من المال- إن تبقى شئ من غذائه وطعام ماشيته- يمكنه من  قضاء بعض حاجاته اليومية ( كالكساء والعلاج والمواصلات وربما بعض ما تحتاجه أرضه من مصروفات نثرية) (كإعداد الأرض للزراعة ، والعزيق ، والرى ، وجمع المحصول؛ وفى هذا الغرض الأخير يختلف الفلاحون بناء على المساحة التى يزرعونها ونوعية المحصول .. فبعضهم لا يملك فائضا وبعضهم يكون فائضه محدودا والبعض الثالث يملك فائضا قد يمكنه من الإنفاق على بعض احتياجات أسرته المعيشية وبعض العمليات الزراعية؛ ويتحدد ذلك استنادا إلى عائد الأرض الذى يتوقف بدوره على حجم إنتاجه وسعره .. وهكذا.

ولأن الفلاح عادة ما يربى بعض الحيوانات والطيور أو يزرع بعض الخضروات فى مساحة محدودة ( قيراط أو اثنين ) وربما يحصل من ماشيته على بعض اللبن يحول بعضه إلى جبن أو زبد فإنه ينفق على نثرياته اليومية من عائد بيع  هذه الخضر أو اللبن أو البيض .

- هذا ولا تسير أوضاع الفلاحين بسلاسة ويسر كما يتصور البعض لأن من يملك نصف فدان ليس كمن يملك فدانين أو خمسة، ولذلك فالمثال الذى عرضناه يتحدث عن فلاح يملك بين فدانين وأربعة حتى يكون ذلك حداً لمن هم تحت هذا المستوى ومن هم أعلى منه.

- وإذا ما عرفنا أن الفلاحين الذين يملكون  خمسة أفدنة فأقل يمثلون الأغلبية الساحقة من فلاحى مصر أى حوالى 80 % على الأقل لأدركنا أن هذه الفئة هى التى تقوم بإنتاج الغذاء والكساء لثلثى المجتمع المصرى وتطعم ماشيتها التى لا تقل عن ثلثى ماشية مصر وهذه بدورها تنتج من اللحوم والبيض والألبان ومنتجاتها والصوف والجلود ما يغطى احتياجات أكثر من نصف الشعب ، ولأسباب كثيرة – تخرج عن إرادتها وطاقتها – لا تنتج كل ما يحتاجه الشعب من الغذاء والكساء وهو ما يتم استكماله بطريقتين .. الاستيراد من الخارج ومما ينتجه كبار الزراع  و
المستثمرين فى مجال الزراعة.

- وهذه الفئة من الفلاحين التى تزرع الأرض بيدها ( المنتجين المباشرين ) لا تكف عن الزراعة إلا فى حاتين .. الأولى هى تجريدها من الأرض
والثانية هى ارتفاع إيجارات الأراضى لما يفوق طا قتها مما يدفعها دفعا للكف عن حرفة الزراعة وغالبا لمغادرة الريف إلى عشوائيات المدن.

- وهذه الفئة من الفلاحين هى من  تنتج الكساء ( القطن والصوف ) ولا تجيد مهنة سوى الزراعة وليس لأفرادها مأوى سوى الريف ؛ ومن هنا فلا قوة تدفعهم خارج الزراعة وخارج الريف سوى افتقادهم لمصدر رزقهم الوحيد وأداة إنتاجهم ( الأرض ) أو أن يتساوى ما يعود عليهم من الأرضمع ما ينفقونه علي الزراعة .. خلاصة القول أنها لا مطمع لها سوى العيش فى أمان لآ أكثر.

- ومن الجهة الأخرى فإن الجزء الآخر من العاملين فى الزراعة يزرعون عشرات أو مئات الأفدنة ( المزارعون الكبار ) يختلفون  تماما عن الفئة السابقة فى الآتى:

1-   نهم لا يعملون بأيديهم فى الأرض بل يديرونها ويشرفون علي زراعتها أى أنهم منتجين غير مباشرين .. بدءا من عملية البذر إلى عملية الحصاد بل إن بعضهم يستأجر  من يتولى هذه المهمة نيابة عنه إذا كانت أملاكه واسعة أو ينشط فى أكثر من مجال .

2-   استخدامهم للعمل المأجور ( العمال الزراعيين أو فقراء
الفلاحين ) فى إنجاز كل العمليات الزراعية.

3-   المحاصيل التى يفضلون زراعتها هى ما تعود عليهم بأقصى
ربح ؛ وليس معنى ذلك أنهم لا يخصصون  جزءا من الأرض لغذائهم ، لكنه يعنى أن زراعة الحبوب ومحاصيل العلف التقليدية – التى هى
النشاط الرئيسى لفئة الفلاحين – ليست هى هدفهم إلا بقدر ما تدر عليهم من أرباح لأن زراعة الخضر والفواكه والزهور والنباتات الطبية والعطرية هى ما يركزون عليه وهو ما يعنى من ناحية أخرى أن الجزء الأعظم من إنتاجهم  وربما كله.. يباع فى الأسواق أو يتم تصديره.

4-    وعادة ما يتخصص بعضهم بعد فترة من التجريب فى زراعة محاصيل بعينها مما تم ذكره ؛ ويقوم بالتوسع فى نشاطه الزراعى ؛ إلا أن بعضهم  الآخر يحوّل ما يتراكم لديه من أموال إلى أنشطة أخرى قد تكون فى المجال الزراعى مثل التصنيع الزراعى وقد تكون فى مجال آخر تماما كالصناعة أوالتجارة أو المعمار- والعبرة فى كل هذه الحالات ( التخصص فى زراعة بعينها والتوسع فيها ؛ أو الانتقال إلى فرع آخر داخل النشاط الزراعى أو التحول إلى نشاط جديد غير  النشاط الزراعى ) – العبرة فى كل ذلك ترجع إلى مقدار الأرباح التى يجنيها أويتوقع أن يجنيها  ذلك المزارع الكبير من عمله، ولأنه إن بقى فى الزراعة أو غادرها هو نفس الشخص فلا يمكن يمكن تسميته بمزارع كبير إذا ما ترك الزراعة .. لأن وصفه يتغير فى كل حالة من الحالات الثلاث ، لكن شيئا واحدا لا يتغير فيه وهو أنه فى الحالات الثلاث رأسمالى كبير يستثمر رءوس أمواله فى المجال الذى يدر عليه أفضل الأرباح فى الزراعة أو الصناعة أو التجارة. وهو ما يؤكد أن الربح والعائد وحده هو ما يحدد بقاء هؤلاء المزارعين الكبار فى الزراعة أو تركهم لها  .

وهذا هو أهم الفوارق بين كبار الزراع وفقراء وصغار الفلاحين ؛ فالأخيرون لا يجيدون حرفة سوى الزراعة وليس لهم مأوى سوى القرية .. ولا مطامح لديهم إلا الحصول على طعام يومهم وتربية أبنائهم والعيش فى هدوء ؛ بينما الآخرون يمكن أن يغيروا نشاطهم ويتركوا الزراعة ؛ ومعظمهم يعيشون فى المدن ولا نهاية لمطامحهم ورغباتهم ؛ فهم عادة أو أبناؤهم.. موظفون كبار أو مسئولون حاليون أو سابقون أو متنفذون فى الريف أو برلمانيون أو ضباط أو قضاة. ولأن هؤلاء الرأسماليين ( المزارعون الكبار ) لا يجدون توسعا فى أرباحهم سوى عن طريق الاستحواذ على مزيد من الأراضى .. وفى استخدام أنماط من الإنتاج تعتمد على المزارع الواسعة والزراعة الكثيفة فإنها لا تجد فرصا للتوسع سوى فى اتجاهين:

الأول: هو تضييق الخناق على فقراء وصغار الفلاحين وحصارهم ودفعهم للكف عن الزراعة أو بيع الأرض التى يملكونها
وبالتالى يتحصل المزارعون الكبار عليها.

والثانى : هو الاستحواذ على الأرض المستصلحة الجديدة.

- ولأن الفلاحين الفقراء والصغار لا صلة لهم بالأرض المستصلحة الجديدة تقريبا ولا طاقة لهم بزراعتها ؛ولأنهم متواجدون فى الأرض القديمة فإنهم يتعرضون لحملات متوحشة من العدوان والإخلاء القسرى لأراضيهم بكل الأساليب العنيفة والألاعيب القانونية المتنوعة من
جانب قوى كثيرة منها ملاك كبار ومزارعون رأسماليون ومستثمرون وورثة إقطاعيين سابقين وعصابات منظمة للسطو على الأراضى ولا يجدون من يدعمهم ( فالدولة لم تتخل عنهم فحسب بل وتتواطأ عليهم وتقود فى كثير من الأحيان  تجريدهم من الأرض) ولأنهم من ناحية أخرى يستخدمون فى زراعتهم نمطا صغيرا للإنتاج يشكل عائقا أمام هؤلاء الكبار وأمام تجار مستلزمات الزراعة ؛ ولكونهم ” الحيطة الواطية ” فى الريف  فإنهم يشكلون مطمعا وهدفا لهؤلاء الكبار  بل ولقوى أخرى كثيرة.

- ولأن  الفئة الثانية ( كبار الزراع ) لا يهمها سوى الحصول على الربح .. ولا يهمها توفير غذاء الشعب بل وليس ذلك واحدا من أهدافها ،
ولا يهمها الاستمرار فى الزراعة إلا إذا كانت تعود عليهم بأعلى الأرباح ، وعلى النقيض منها تلعب الفئة الأولى من فقراء وصغار الفلاحين دور منتج غذاء الشعب وكسائه ، ولا مطامح  لهم أكثر من العمل فى الزراعة  ” والستر ” ويقيمون فى الريف بشكل دائم ولا يغادرونه إلا إذا كفّوا عن الزراعة أو جُرّدوا من الأرض  ؛ ويدفعون الضرائب فمن الطبيعى أن ننحاز لهم .. لأن كل أحلامهم تنصبّ فى طلب الحياة  بينما كبار الزراع يعيشون فى حالة من اليسر والراحة ويمثل جنى الأرباح همهم الرئيسى .

- خلاصة القول ننحاز لمن يطعم الشعب ولا ننحاز لمن لا يمثل غذاءُ الشعب همّاً من همومه ؛ وننحاز لمن يدفع الضرائب وليس لمن يتهربون منها ، وننحاز لمن لا يطمح سوى فى حق الحياة ضد من يستكثرونها عليه ،وننحاز لمن لا نقابة له  ضد من يحرمونه من درع يحميه ويحفظ حقوقه؛ فحق الحياة أولى بالانحياز من حقوق التملك الباطلة ومن جنى الأرباح، ولذلك نرى أنهم أحق فئات الشعب بنقابة حقيقية وليس مخزنا نستدعيهم منه وقت الطلب.

 

     السبت    24ديسمبر 2011                               بشير صقر


لجنة التضامن الفلاحى – مصر

الموقع الإلكترونى :www.tadamon.katib.org

العنوان الإلكترونى:[email protected]

[email protected]