فى مؤتمر الفلاحين الدولى السادس بإندونيسيا .. دور منظمة فيا كامبيسينا الدولية فى النضال الفلاحى بين الواقع والآمال

دور منظمة فيا كامبيسينا الدولية فى النضال الفلاحى بين الواقع والآمال
تمهيد :
دعيتُ لحضور المؤتمر الدولى السادس للفلاحين الذى عقد بالعاصمة الإندونيسية جاكرتا فى الفترة من 3 – 12 يونيو 2013 ممثلا لـ ( لجنة التضامن الفلاحى – مصر… Peasant Solidarity Committee – Egypt )، وكان للفترة التى قضيتها مختلطا بالكثير من أعضاء الوفود ( من أكثر من 70 دولة ) ومن الشعب الإندونيسى مشاركا فى الحوار ؛ وللرحلة التى قمنا بها فى آخر أيام المؤتمر إلى إحدى المناطق الفلاحية بدعوة من إتحاد الفلاحين الإندونيسى أثرهما فى التوصل لعدد من التقديرات والانطباعات عن أوضاع المنظمة الدولية التى تضاعف عددها منذ عام 2007- إبان عقد أول مؤتمر دولى للفلاحين فى سيلينجى بجمهورية مالى بغرب إفريقية – وتتواجد فى أرجاء متعددة من المعمورة .
وكعادة اللجنة لا تذهب لمثل هذه المنتديات إلا بالكثير من الأفكار والمقترحات وتشارك فى معظم الأحوال بالحوار حول القضايا المشتركة بين فلاحى العالم ( شماله وجنوبه ) خصوصا ما يتعلق منها القضايا الفلاحية المصرية ؛ علاوة على كلمة مكتوبة مترجمة ( للإنجليزية والفرنسية والإسبانية ) تتضمن أهم القضايا والمشكلات التى ترى اللجنة أنها تحظى بأهمية بالغة مثل قضية التضامن الفلاحى الدولى وكيفية ترجمته لخطوات عملية ؛ وكذا الأمور التى يجب أن تقوم بها المنظمات الفلاحية الدولية لدعم فلاحى البلدان النامية والمتخلفة خصوصا وأن فلاحيها يشاركون- ضمنيا- فلاحى الشمال فى المعركة الدائرة مع الشركات العولمية – العاملة فى مجال إنتاج وتسويق مستلزمات الزراعة – باعتبارها معركة واحدة لا معركتين.
وبسبب رغبتنا فى أن تؤدى منظمة فيا كامبيسينا La Via Campesina ( L.V.C ) دورها بشكل كُفء مستجيب للتطورات الجارية فى كثير من مجتمعات العالم خصوصا المنطقة العربية التى شملتها عديد من الانتفاضات الشعبية اعتبارا من يناير 2011 رأينا أن نبدى ملاحظاتنا النقدية على بعض وقائع المؤتمر وتنظيمه وعلى المسار الذى تتخذه فيا كامبيسينا فى صلته بتوجهها الأساسى الذى تعرفنا عليه فى المؤتمرات السابقة التى شاركنا فيها فى برشلونة عام 2005 ؛ ومالى 2007 آملين أن يظل صدر قادتها متسعا لنا قدر اتساع امتداداتها وتأثيرها .
كما تهمنا الإشارة إلى الكثير من إيجابيات المؤتمر والفوائد التى تحققت والإشادة بعدد من العناصر الشابة الجديدة التى تشارك فى قيادة منظمة فيا كامبيسينا وخصوصا من نسميهم بالجنود المجهولة التى تحملت الجزء الأكبر من المهام فى صمت وبعيدا عن الأضواء.
تعريف بهوية منظمة فيا كامبيسينا ( L.V.C ) ودورها:
الترجمة العربية لاسم المنظمة الأسبانى ( La Via Campesina ) هى ” طريق الفلاح ” ، وقد تأسست فى بدايات تسعينات القرن العشرين كإطار شعبى يضم العديد من منظمات الفلاحين المحلية وجمعيات التنمية والمراكز الحقوقية العاملة فى المجال الفلاحى، والأغلبية الساحقة من عضويتها من الفلاحين الفقراء والصغار فى بلادهم .
هذا وانطلقت مبادرة تأسيسها من القارة الأوربية واتسعت عضويتها من المنظمات الفلاحية المحلية لتغطى كل قارات العالم الست؛ وهو ما يعنى أن نشأتها تالية لنشأة المنظمات المحلية أولا من واقع التاريخ وثانيا من حيث الدور الذى تلعبه كإطار ضام ومنظم للجان ومنظمات الفلاحين فى هذه المجتمعات.
وتعتبر فيا كامبيسينا ومنظمة كونفيدرالية الفلاحين الفرنسية ( إتحاد الفلاحين الفرنسيين ) أهم وأقوى المنظمات الدولية -ذات الدور العالمى – لفقراء وصغار الفلاحين ولكل منهما- حتى الآن- دوره المميز والفعال فى الدفاع عن حقوق وحريات الفلاحين ومناهضة العولمة المتوحشة.
المهام المنبثقة من طبيعة بناء فيا كامبيسينا :
وفى رأينا أنه استنادا إلى كونها إطارا ضاما للجان والمنظمات والجمعيات والمراكز الحقوقية المحلية العاملة فى المجال الفلاحى تتولد تلقائيا لـفيا كامبيسينا ( L.V.C) المهام المحددة التالية :
أولا : التعرف الدقيق والمتبادل على كل الأفكار والآراء التى يبديها المشاركون فى المؤتمر بالذات من المنظمات المحلية بتوفير الترجمة الفورية من وإلى لغات أخرى بجانب الإنجليزية والفرنسية والأسبانية ، والتنسيق بين أنشطة أعضائها من المنظمات المحلية.
ثانيا : بلورة المطالب والاحتياجات الأساسية للمنظمات المحلية التى تلعب دورا فى تحديد الأهداف العامة ومن ثم السياسات المناسبة لتطوير الأوضاع الفلاحية والزراعية على النطاق المحلى والدولى.
ثالثا : وباعتبارها – كمنظمة – معبرة بشكل عام عن الفلاحين المنضمين لعضويتها بل والمناصرين لها والمتعاطفين معها فإنها تضع الشعارات والمطالب والتوصيات والمقترحات المناسبة لما تنادى هى وينادى الفلاحون به بشأن قضايا أخرى تتصل بها كالتضامن الفلاحى الدولى والتنوع البيولوجى والتوازن البيئى والاحتباس الحرارى التى تؤثر على سكان العالم وأحيائه المتنوعة.. هذا من ناحية .
رابعا : ومن ناحية أخرى تلعب دورها فى ممارسة الضغوط على المنظمات الدولية والحكومات المحلية التى تطبق سياسات وقوانين وتتخذ إجراءات معادية لحقوق الفلاحين وحرياتهم الأساسية وتضامنهم الدولى تخالف العهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.. بل ومواجهتها إن تطلبت الظروف ذلك ؛ مثل منظمة الأغذية والزراعة ( فاو F.A.o ) التابعة للأمم المتحدة والتى تتشكل بالأساس من ممثلى الحكومات المحلية فى المجال الزراعى ( وزراء الزراعة ) وتعبر بشكل عملى عن السياسات المتعسفة التى تتبعها حكوماتهم فى هذا المجال ؛ وهى أقرب فى وضعها لمؤسسة دولية مشابهة فى منطقتنا هى جامعة الدول العربية . ولأن منظمة فيا كامبيسينا – بناء على ما ذكرناه – تلعب دورا سياسيا بالأساس وليس مجرد دور تنسيقى أو تنظيمى أو مهنى فى صفوف المنظمات الفلاحية المحلية ؛ وتتعامل مع عدد من أخطر القضايا التى تؤرق الفلاحين وسكان العالم فى الشمال والجنوب لا بد أن ينعكس ذلك على المشروعات والخطط والبرامج التى تقترحها بل وعلى الأفكار والسياسات التى يعتنقها قادتها والأشخاص المؤثرون فى اتخاذ قراراتها والمسئولون عن تسيير دفة العمل بها خصوصا الذى يتماس مع المنظمات المحلية. ولا ننسى أن المؤتمر الدولى الأول للفلاحين الذى انعقد بمالى عام 2007 كان شعاره ( الهيمنة الفلاحية على الغذاء Food Sovereignty -) وهو شعار لا يقتصر فقط على التصدى للمجاعة التى تغطى مساحات شاسعة من سكان العالم .. ولا على سد الفجوة الغذائية فى عدد من المجتمعات المحلية بقدر ما يعنى أن يكون للفلاحين حيثية ودور واستقلالية فى السيطرة على غذائهم ومصادره وهو شعار سياسى صرف.
بنية فيا كامبيسينا .. وعلاقتها بالآلية والأدوات والفعالية :
إن الدور الضام ( التنظيمى ) لـ ( L.V.C ) الذى يحكم بنيتها وطبيعة عملها يُحتم أن تكون المرونة والاستجابة السريعة للأحداث المتنوعة هى أهم السمات التى تُميزها بل يجب أن تكون جزءا من طبيعة بنائها وليس مجرد صفة من صفاتها :
-بمعنى أن الاستجابة السريعة للأحداث المستجدة تتمثل فى فورية الاتصالات وقوة الصلات بينها وبين المنظمات المحلية .
-كما تعنى السيولة البالغة فى سريان المعلومات المتعلقة بالأحداث المحلية الخاصة والدولية وتطوراتها.
-وسرعة إعداد المقترحات والبدائل العملية الواجب اتخاذها بشأن تلك الأحداث .. والترجمة الدقيقة لها فى التطبيق.
-والإعلام الفورى واسع الانتشار شرط أن يكون مبسطا ومفهوما.
-ومن ثم فى ملاءمة الضغوط التى تمارسها الهيئات القارية والمركزية لفيا كامبيسينا وتوقيتها للوصول إلى نتائج بعينها بشأن تلك الأحداث.
تحول المنظمة الفتية إلى مؤسسة كبرى .. ومخاطره :
وبتعاظم خبرة فيا كامبيسينا منذ الفترة المنقضية من تأسيسها حتى الآن يصبح من الضرورى أن تكون آليتها وأدواتها ووسائل اتصالها قادرة على ضخ تلك الخبرة بأشكال متعددة وبشكل متواصل للمنظمات المحلية وكذا تحديثها.
-ومع تسليمنا بأن كل المنظمات المحلية – الأعضاء – مستقلة فى اتخاذ قراراتها وليست فروعا لمنظمة فيا كامبيسينا ؛ وبالتالى فمسئولية الأخيرة عنها ليست مسئولية مباشرة أو عضوية بقدر ما هى مسئولية أدبية فى غالب الأحوال ؛ فإن تشابك العلاقة والأهداف المشتركة بينهما توجب تواجد تأثير كل منهما لدى الآخر بشكل دائم ومستمر لا انقطاع فيه .. أى لا يجب أن تكون الصلة بينهما (بشأن تبادل الأخبار والمشورة والخبرات) مقتصرة على المؤتمرات الدورية بل على التواصل الشهرى أو اليومى إبان الأحداث الكبرى والمفاجئة.
-وللحقيقة فإن كثيرا من الهيئات (سياسية ونقابية وشعبية) – ما لم تتحلى باليقظة الدائمة- فإنها تتعرض بمرور الزمن لأخطار متعددة أولها البيروقراطية والترهل بسبب :
* انتقالها من طور الهيئة الفتية الديناميكية إلى طور المؤسسة الكبرى متعددة المهام مترامية الفروع والأطراف.
* و تزايد تقسيم العمل وتجزيئه ، ولا يمكن الرد على ذلك بأن وسائل الاتصال تطورت كثيرا عما كانت عليه ؛ لأننا لا نتحدث عن التكنولوجيا بل عن طورين من أطوار نمو المنظمة وعن آثار كل منهما على المنطق الذى يحكم المنظمة والعقلية التى تسودها وعن تشعب المهام وتعقيدها؛ وهو ما يعنى الاحتياج الدائم لدفة شديدة اليقظة.
*ونتيجة لأسباب أخرى متنوعة منها محصلة الإيجابيات والسلبيات ( أى محصلة الانتصارات التى تحرزها والخسائر التى تتكبدها ) فى المعارك التى تخوضها وآثارها المعنوية على مسارها.
* ومنها ضعف قدرتها على التمسك بثوابتها التى تأسست عليها وكافحت من أجلها سنوات أو تنازلها أمام مؤسسات دولية تعتبر خصوما لها وتتخذ خطا معاكسا لأهدافها وهكذا.
* ومع تزايد الخبرة التى تجعل حجم الرأس كبيرا فإن البيروقراطية تجعل أطراف الجسم قاصرة عن حمل الرأس المتضخم ومن ثم تكون فريسة أسهل للترهل.
*علاوة على أنَّ تَضاعُف العضوية خلال المدة من عام 2007 إلى عام 2013 يجعل الحفاظ على المرونة فى الاتصال والسيولة فى تبادل المعلومات مع المنظمات المحلية عبئا حقيقيا وعاملا قويا فى خفض وإضعاف لياقتها التى كانت تتحلى بها فى سنوات النشأة الأولى. ولا يمكن اتخاذ فترات النشاط الاستثنائية – كالإعداد للمؤتمرات الدولية أو الاجتماعات الهامة التى لا تتكرر كثيرا – مقياسا للحكم على لياقة المنظمة فالمقياس يجب أن يكون عاما وشاملا يقوم على القاعدة وليس الاستثناء.
مثالان لانخفاض الحساسية السياسية واللياقة التنظيمية:
-ومن ناحية أخرى فانخفاض اللياقة يعنى ضعف أو بطء الاستجابة والحساسية للأحداث السياسية ؛ وهو ما استشعرناه إزاء الأحداث الثورية التى غطت 6 بلدان عربية ( تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا والبحرين ) فلم نتلق اتصالا واحدا يستفسر عن الأوضاع فى مصر وتأثيرها على مشاركة شعبها وفلاحيها فيها وعلى مدى استفادتهم منها ؛ ولا نعتقد حدوث ذلك مع أى من البلدان العربية الأخرى.
- وهو نفس ما جرى فى مؤتمر جاكرتا بإندونيسيا حيث لم يبادر مسئول واحد بالاستفسار عما حدث فى مصر. وهذا ما نقصده بالحساسية السياسية وباللياقة التنظيمية لمنظمة فيا كامبيسينا بعيدا عن قيام أو عدم قيام المصريين المشاركين فى المؤتمر الأخير بالحديث عن أحداث الثورة المصرية .. فالمبادرة يجب أن تأتى من المنظمة الكبيرة التى تمثل ( راعيا لفلاحى العالم ) إن جاز التشبيه.. خصوصا وأن مصر هى الدولة الوحيدة التى جرت بها انتفاضة ثورية من دون بلاد كل المشاركين فى المؤتمر ، وللمصادفة فإن انتفاضة هائلة ثانية اندلعت بعد أسبوعين من انتهاء أعمال مؤتمر جاكرتا( فى 30 يونيو ) .
- واقعة أخرى تتعلق بموضوع الحساسية السياسية واللياقة التنظيمية للمنظمة تمثلت فى لقاءين منفصلين عُقِدا فى الأيام الأولى للمؤتمر أولهما بينى وبين أحد المسئولين الأسبان فى المنظمة وزميل آخر مغربى بشأن توثيق العلاقات داخل المنظمة بين أوربا ( أسبانيا ) وبين شمال إفريقيا ( مصر والمغرب) وكان المسئول الأسبانى هو الذى طرح الموضوع. والثانى بينى وبين أحد المشاركين من فلسطين الذى بادر قائلا أن المنظمة مهتمة بالتواجد الفعال فى مصر وفلسطين. وفى الاجتماع الثالث الذى دعا له المسئول الأسبانى وضمه مع ممثلين عن المغرب وفلسطين ومصر لمناقشة الموضوع أكد المسئول الأسبانى فى حديثه على أهمية منح المنظمة عضويتها لأحد الوفود العربية الثلاثة وطلب منا إبداء رأينا.
وفى ردى ذكرت : أن الأولوية من وجهة نظر المنظمة ربما تختلف عنها من وجهة نظرنا ؛ ودللت على ذلك قائلا أن فلسطين حالة استثنائية وذات أهمية خاصة كما هو معروف ؛ بينما مصر هى المفتاح الأهم لمجتمعات المنطقة العربية وأن نهوض النشاط الشعبى والفلاحى بها يؤثران بشدة فى تلك المجتمعات المحيطة ؛ بينما المغرب هى المدخل المناسب الوحيد والأهم لغرب إفريقية ومجتمعاته الأشد فقرا فى القارة ومن ثم الأكثر احتياجا لنهوض فلاحيها.. وعليه أرى تساوى الحالات الثلاث فى الأولوية.
الجدير بالذكر أنه بمجرد سماع المشاركين الأوربيين للرد تم فض الاجتماع بشكل مفاجئ بدعوى إرجائه ليوم آخر؛ إلا أنه للأسف لم ينعقد ؛وتصورنا أنه قد تم صرف النظر عن الموضوع ؛ لكننا فوجئنا فى اليوم الأخير للمؤتمر بالإعلان عن إعطاء العضوية للوفد الفلسطينى؛ ورغم أننا لم نكن ضد القرار بل رحبنا به إلا أن الملابسات التى أحاطت بمناقشة الموضوع واعتذار المسئول الأسبانى عنها فيما بعد تطرح أسئلة متعددة تتعلق بوجود مشكلة حقيقية تتصل بالحساسية السياسية واللياقة التنظيمية للمنظمة فضلا عن الأساليب المتبعة فى الحوار الداخلى وهو ما يؤكد ملاحظاتنا فى هذا الشأن.
رحلة اليوم الأخير لمنطقة فلاحية وظهور مثير للفاو والشرطة ووزارة الزراعة الإندونيسية:
فى اليوم قبل الأخير للمؤتمر تم الإعلان بشكل مقتضب عن القيام برحلة للوفود المشاركة إلى منطقة فلاحية للتعرف على نشاط اتحاد الفلاحين الإندونيسى ( S.P.I) العضو بفيا كامبيسينا وعلى الفلاحين والمحاصيل المزروعة، ولأن اقتضاب الإعلان عنها لم يتح الفرصة لمعرفة تفاصيلها .. كهوية المدعوين إليها وطبيعة المؤتمر المزمع عقده والوقت الذى يستغرقه والزمن الذى يحتاجه الطريق وتأثيره على عودة المشاركين لأوطانهم إلخ.. فقد فوجئنا بالآتى:
1.أن الرحلة استغرقت 13,5 ساعة ( 4,5 ساعة ذهابا من الفندق ، 6,5 ساعة عودة لمطار جاكرتا + 2,5 ساعة زمن المؤتمر ) ، علاوة على 17 ساعة تستغرقها رحلة الرجوع للوطن ( منها 12,5 ساعة طيران وانتظار + 4,5 ساعة ترانزيت ) بمجموع 30,5 ساعة . هذا لمن يسافر للشرق الأوسط أما العائدون للبرازيل مثلا فتمتد رحلتهم إلى 37,5 ساعة.
2.أن المدعوين كانوا ممثلين لمنظمة الأغذية والزراعة ( فاو )، ووزارة الزراعة الإندونيسية علاوة على اتحاد الفلاحين الإندونيسى ( S.P.I) والمشاركين من فيا كامبيسينا.
3.أن الاحتفالية (أى المؤتمر ) شملت عرضا لبعض الأغانى والأناشيد الإندونيسية لشباب وفتيات من اتحاد الفلاحين الإندونيسى ، وعددا من الكلمات ألقاها ممثلو الفاو ووزارة الزراعة واتحاد الفلاحين فضلا عن ممثل فلسطين وممثل فيا كامبيسينا. هذا ولم تجر أية مداخلات لا من الأعضاء ولا من فلاحي المنطقة الإندونيسيين؛ كذلك فإن أغلبية الحضور كانوا من الضيوف والمدعوين بينما جمهور القرية كان الأقلية.
4.ولأنى لم أجلس فى السرادق- كما هى عادتى- بل كنت أتجول بين الحاضرين أحصى أعدادهم وأتابع انطباعاتهم من تعبيرات الوجوه وردود الأفعال وأتحدث مع بعض شباب وفتيات القرية ممن يعرفون الإنجليزية فقد لاحظت أن الفلاحين لم يجلسوا إلا فى الصفوف الخلفية وجزء منهم ظل واقفا بينما كبار السن منهم فضلوا الجلوس على الأرض خارج السرادق. إلا أن ما أثار ضيقى أن الفلاحين كانوا بعيدين تماما عن الاستجابة أو الاهتمام بما يقال وكان اهتمام بعضهم منصبا على تأمل المشهد دون تفاعل معه، كذلك فقد كانت نظرات الكثيرين منهم زائغة وتشملها حالة من الاغتراب رغم أنهم فى قريتهم وهى حالة ندركها جيدا نحن مواطنو البلدان النامية.
5.من جانب آخر كان التواجد الأمنى فى القرية كثيفا ويتجاوز دور الحراسة المعتاد على طول الطريق أو لدى محطة الوصول أو عند المغادرة وربما كان ذلك التواجد سببا من أسباب عزوف الفلاحين عن الاهتمام أو التفاعل مع ما يدور فى الاحتفالية فالشرطة فى هذه المجتمعات تعنى الدولة وتعنى التذكير بدورها المعهود تجاه الفقراء . وأعتقد أنه كان ينبغى تخفيف ذلك التواجد إلى حده الأدنى و قصره على الطريق دون دخول القرية أو استبداله بشباب من اتحاد الفلاحين.
منظمتا الفاو وفيا كامبيسينا وجها لوجه .. مجرد مصادفة أم مؤشر لمسارات جديدة ..؟!
من جانب ثالث كان الحديث فى الاحتفالية عن تعاون منظمة فيا كامبيسينا ومنظمة الأغذية والزراعة ( فاو ) مفاجأة لى بكل المقاييس ؛ فالفاو تنظيم دولى حكومى يضم وزراء الزراعة فى حكومات الدول الأعضاء بها التى تلتزم بسياسات إفقار الفلاحين ؛ وهى بحكم أهدافها وتكوينها تتعاون بأشكال مختلفة مع العديد من المؤسسات المالية الدولية سيئة السمعة ( كالبنك الدولى وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية ) كما تتعامل مع الشركات العولمية العاملة فى مجال إنتاج وتسويق مستلزمات الزراعة ( بذور ، أسمدة إلخ ..) وهذه المؤسسات وتلك الشركات تمثلان رأس الرمح لليبرالية الجديدة المتوحشة ؛ بينما منظمة فيا كامبيسينا تكتل فلاحى يشكل- موضوعيا- راعيا لفلاحى العالم ويمثل – عمليا- قطبا مواجها للفاو وهى تلتزم بمقاومة السياسات التى تنتهجها هذه الدول وتلك المؤسسات المالية والشركات العولمية ضد الفلاحين.
-إننا نتفهم أن تضم احتفالات رسمية أخرى ممثلين عن وزارة الزراعة الإندونيسية مع فلاحين بسطاء – يعانون من سياساتها المجحفة – لأسباب اضطرارية .. لكن لا يمكن أن نستوعب أن يجمع احتفال شعبى كالذى حضرناه ممثلين لاتحاد الفلاحين الإندونيسى – الداعى للاحتفالية – مع ممثلى وزارة الزراعة ومنظمة الفاو خصوصا فى وجود هيئة فلاحية دولية مثل فيا كامبيسينا لها تاريخها ومبادئها وثوابتها وسياساتها المناوئة لسياسات الحكومات المحلية وسياسة الفاو ويدور الحديث فى الاحتفالية حول تعاون مشترك فى مجال الزراعة والفلاحين. ومن هنا كان مأخذنا على فيا كامبيسينا وعلى اتحاد الفلاحين الإندونيسى العضو بها، وكانت ملاحظاتنا عما انتاب منظمة الفلاحين الدولية من ضعف الحساسية السياسية واللياقة التنظيمية والتى تشكل خطرا واضحا على المنظمة لم نعهده منذ ست سنوات على الأقل قبل أن تتحول من منظمة عَفيّة ديناميكية إلى مؤسسة كبيرة مترامية الأطراف .. بالذات بعد اضطلاعها باهتمامات وأنشطة أخرى فى مجالات المرأة والشباب حيث أقامت احتفاليتين لهما بجاكرتا قبيل عقد مؤتمر الفلاحين بساعات.
-ولأن التعرف على هوية أية منظمة فى العالم تدافع عن فقراء وصغار المواطنين لا يتأتى من مجرد قراءة لوائحها وأدبياتها حتى ولو أجمع الكثيرون على صحتها ؛ بل بالتيقن المباشر من سلوكها العملى ومدى اقترابه أو ابتعاده عن أفكارها النظرية ومقولاتها السياسية ؛ الأمر الذى لمسناه – على سبيل المثال – من المواقف العملية لقادة منظمات أخرى مثل كونفيدرالية الفلاحين الفرنسية ؛ التى ظلت تطارد – لفترة ليست قصيرة – رموز وممثلى العولمة المتوحشة أينما ذهبوا ولم يكن يمر عليها عام دون أن يكون هؤلاء القادة ضيوفا على مراكز الشرطة والمحاكم والسجون؛ لذلك فإن الاحتفالية المذكورة وتركيبتها وما ألقى فيها من كلمات وأحاط بها من ملابسات يدفعنا للتوجس والقلق .
خاتمة : إن أحد الأدوار المهمة التى تضطلع بها فيا كامبيسينا هى استشراف المخاطر التى تهدد الفلاحين والتنبؤ بها ولفت النظر إليها والتحذير منها ومن مصادرها وممثليها ؛ واقتراح أساليب مواجهتها على المنظمات المحلية التى منها عدم خلط الأوراق مع مصادر الخطر؛ وأن تبادر كراعية لفقراء وصغار الفلاحين فى العالم بممارسة دورها السياسى والإعلامى المفترض.. وليس التماس مع خصومها السياسيين أو التعاون معهم فى أعمال مشتركة حتى ولو كانت احتفالية ، وهى كمنظمة ضامّة تملك معلومات شتى عن مختلف الهيئات والمؤسسات والشركات الدولية والمنظمات الفلاحية المحلية بمستوى يؤهلها لتكوين رؤية شاملة عن أوضاع الفلاحين فى كل مجتمع والمخاطر المحدقة بهم وعدم ترك العمل يسير بشكل تلقائى اعتمادا على تاريخها الكفاحى الإيجابى أو استنادا لدواعى استقلال المنظمات المحلية؛ و بقدر ما نعقد آمالا كبارا على أهم أشكال التضامن الفلاحى العالمى متمثلا فى فيا كامبيسينا بقدر ما نوجه لها من نقد ونسعى للفت نظرها لتقويمه لأننا تعلمنا على مقاعد الدراسة من عشرات السنين أن ” صديقك من صدَقك لا من صدَّقَك”.
الإثنين 4 نوفمبر 2013 بشير صقر
لجنة التضامن الفلاحى – مصر