لقائى الوحيد مع أشجع رجل فى مصر .. الشهيد فرج فودة

كنت وصديقى الشاعر محمود الطويل على موعد مع شخص ثالث لقضاء مهمة تخصنى فى أواخر شهر يناير 1992. خرجنا معا من منزله فى حى المطرية بمدينة القاهرة صباح ذلك اليوم المشمس؛ وفى الطريق استدرك قائلا : آه .. نسيت موعدا لابد من الانتهاء منه فى مكان قريب. فسألته أليس ممكنا إرجاؤه لما بعد إنجاز مهمتنا..؟ . فرد: الموعد فى مكتب قريب ولن يستهلك أكثر من دقائق .. والرجل لن ينتظرنى طويلا .

المهم توجهنا إليه فى منطقة مصر الجديدة بشارع أسماء فهمى أمام كلية البنات جامعة عين شمس ؛ وباقترابنا منه طلبت من محمود أن يدخل للرجل بمفرده على أن أنتظره فى الخارج .. على الأقل لكى يتعلل بوجودى للإسراع فى قضاء مهمته .
قال محمود : لن نتأخر أكثر من ربع ساعة ، ولى رغبة فى تعريفكما ببعضكما. فسألته : من هو..؟ فأجاب: فرج فودة.
رضخت لرغبته .. واشترطت عليه ألا نتأخر عن ربع ساعة . فأومأ موافقا.

التقينا.. وتعارفنا .. وتبادلنا أطراف الحديث لدقائق. ولما أحس بصمتى بادرنى قائلا : هل اطلعت على ما أكتبه..؟ فأجبته: معظمه.. وهو شى جيد والجمهور فى حاجة إليه. فسأل: ما هو أفضل ما قرأته لى..؟ ؛ فنظرت لمحمود نظرة .. فهمها على الفور .. والتقط مغزاها الدكتور فرج فودة.انتظرت لحظات مراوحا بين الإجابة المقتضبة وبين طلب إرجاء الحوار لوقت آخر .. ثم قلت: أفضل ما قرأته لك لم يأت فى كتبك – رغم جودتها – وإنما فى مجلة المصور عن لاعب كرة السلة المصرى مدحت وردة بشأن مبارة مصر وإفريقيا الوسطى. فرفع حاجبيه مبتسما وربما مستغربا من صراحتى وقال : لماذا ..؟ .

اعتدلت فى جلستى وعدت للخلف قليلا – مسلّما بأن موعدى الآخر بات مشكوكا في إتمامه – وقلت : لعدة أسباب.. منها أن ما قلته أشبه بالتصريح الصحفى .. ولذا بدت تلقائيته وبساطته .. صكا بمصداقيته ومسّت أوتارَ القارئ فى آن واحد.. وأن شخصيا شعرت بذلك.

وهنا وضع د.فرج رأسه بين كفيه مرتكزا بمرفقيه على مكتبه وعاجلنى : وبقية الأسباب ..؟ . فاستطردت : أنه كان يتناول واقعة لا يمكن القطع بنتائجها ( وهى رمية كرة على السلة ) .. وفى لعبة شعبية .. ومسابقة رياضية هامة ( تصفيات بطولة إفريقية) ، علاوة على أنها مزجت بذكاء وسلاسة بين قضية دينية وتصويبة كرة كان يمكن أن تخيب. فرد متسائلا : ألا توجد أسباب أخرى..؟ ، فقلت أما السبب الأخير .. فخارج عن لب الموضوع .. فالمجلة التى تتضمن التصريح منتشرة أكثر من الكتب وعادة ما تجدها فى صالونات الحلاقة وعيادات الأطباء ولدى مصممى ومصممات الأزياء والخياطين وصانعات الملابس ومكاتب العديد من المهنيين ( مهندسين، محاسبين ، محامين ..إلخ ).. والكثير من الأماكن العامة التى يتردد عليها الجمهور ويقضى فيها وقتا للانتظار.

كانت الواقعة التى تحدث عنها د.فرج فودة تتعلق بالدقيقة الأخيرة فى مباراة نهائية لكرة السلة بين الفريق المصرى وفريق جمهورية إفريقيا الوسطى ، وكانت المباراة سجالا بين الفريقين طيلة أشواطها فلم يتقدم أحد الفريقين خلالها على الآخربأكثر من رمية أو رميتين، وفى الدقيقة الأخيرة كان الفريق الضيف متقدما( بهدف مفرد أى بنقطة واحدة) أما الكرة فكانت فى حوزة الفريق المصرى..ولم تكن هناك فرصة ليفوزالفريق المصرى بالمبارة سوى الوصول لمرمى الضيف وتسجيل رمية ( بهدف مزدوج أى بنقطتين) .
المهم .. تناقل لاعبو الفريق المصرى الكرة – وسط تشجيع عاصف من الجمهور أشبه بالزئير- واقتربوا من سلة الضيف ومرر أحد اللاعبين أعتقد أنه (عمرو أبو الخير) الكرة لمدحت وردة الذى أودعها السلة محرزا هدفا مزدوجا ( بنقطتين ) وبانطلاق صفارة حكم المباراة معلنة عن نهايتها ..انقلبت صالة المباراة ( بالإسكندرية ) إلى حالة من الهيستيريا لا يمكن تصديقها.

كان عام 1991 الذى جرت فيه المباراة أحد أهم الأعوام التى شهدت نشاطا مسلحا واسعا ومدمرا شنته جماعات الإسلام السياسى .. كما شهد أيضا – بخلاف حجاب ونقاب السيدات – تقليدا جديدا لبعض لاعبى رياضات كرة القدم والسلة واليد والطائرة بارتداء ( سروال ) شورت يغطى الركبة وربما يصل إلى الثلث العلوى لسيقان اللاعبين .. وهو انعكاس لنشاط الإسلام الوهابى السياسى فى مصرآنذاك. وكان أبرز لاعبى منتخب كرة السلة المصرى ( ونادى الاتحاد السكندرى) مدحت وردة يرتدى ذلك الشورت الطويل ( الشرعى ) ، وما أن أحرز الرمية الأخيرة وهاجت صالة المباراة إلا ووجدناه مرفوعا على أكتاف زملائه اللاعبين ويحمل مصحفا فى يده اليمنى وعلم مصر فى يده اليسرى فى إشارة إلى أن السبب فى تحقيق النصر فى المباراة يرجع إلى التمسك بالدين.

وكان تصريح فرج فودة فى مجلة المصور على ما أذكرهو رسالة من عدة أسطر موجهة للاعب مدحت وردة مفادها العبارات التالية :[ مرحبا بك لاعبا .. لا واعظا - ما أفضى لتحقيق النصر هو تماسك الفريق وتدريبه وتوفيق اللاعبين- إن تمسكك بتعاليم الدين لاتتمثل فى الشورت الذى ترتديه.. ولا حتى فى المصحف الذى رفعته بعد المباراة ، لو أن الفريق الضيف كان هو المتأخر بهدف وفى الرمية الأخيرة أحرز الفوز.. وقام لاعبوه برفع الإنجيل فى يد وعلم بلادهم فى اليد الأخرى .. هل كنا سنقول أن التمسك بتعاليم الدين المسيحى هى التى أحرزت النصر ..؟ وعدم التمسك بتعاليم الإسلام هى التى تسببت فى الهزيمة..؟- المباراة فى لعبة رياضية لها قواعدها ولوائحها ولا دخل للدين فيها ..]

هذا وقد أنصت فرج فودة ومحمود الطويل للحديث وأثار انتباههما ما كررته على مسامعهما من نصوص صرح بها الدكتور فرج فى مجلة المصور وتفسيرى لها وأسباب إعجابى بالصياغات المستخدمة.

بعدها استدعى أحد مساعديه وطالبه بإحضار 5 نسخ من كل ما أصدره من كتب وقدمها لى هدية ، وسجل اسمى ورقم هاتفى وأوصى المساعد بتخفيض 50 % من ثمن ما أطلبه فيما بعد من إصدارات حالية أو تالية.. أيا كان عددها.

تشعب الحديث فى مختلف القضايا التى أثارها فى كتبه ورغم ميله الدائم فى الحوار إلى تبيان مجافاة ما تقوله فصائل الإسلام السياسى وتدّعيه عن صحيح الإسلام إلا أنى كنت ميالا أكثر لكيفية انتشار أفكاره وأدواته فى ذلك المضمار ، وقد طلبت منه أن يحاول استحداث وسائل أخرى بخلاف نشر الكتب التى لا يقرأها إلا من يجيدون أو يحبون القراءة وهم قلة فى المجتمع مثل المحاضرات والندوات خصوصا فى الأقاليم والقرى .. فهناك مربط الفرس فى انتشار خزعبلات وأفكارتيار الإسلام السياسى وأبديت استعدادى لتوفير ذلك له إذا ما راقته الفكرة .. فأبدى استعداده لتنفيذ مقترَحى .

كما تطرق إلى زيارته لتونس لمحاورة بعض ممثلى ذلك التيار هناك ( النهضة )..وفاجأنا بقوله : بعد موافقة محاوره التونسى على تلبية دعوة الحوارمعه والإعلان عن اسمه وتوقيت بثه فى التليفزيون انسحب المحاور.. ولم يعتذر ولم يبد أسبابا لانسحابه حتى فيما بعد.

من جانب آخر..أفاد الشهيد فودة بأنه يعد دراسة عن زواج المتعة فى المذهب الشيعى .. وأنه عازم على نشرها فور الانتهاء منها .. فتحفظتُ على ذلك خصوصا وأنه كان مشتبكا فى معركة أخرى مع عدد من ممثلى الإسلام السياسى تتابع النيابة العامة تحقيقاتها، فضلا عن المناظرة التى جرت بينه وبين ممثلى جماعة الإخوان المسلمين من أيام معدودة فى معرض الكتاب الدولى بمدينة نصر حول .. (مصر بين الدولة الدينية والدولة العلمانية ) وما زالت أصداؤها ساخنة وشررها متطايرا فى أرجاء البلاد .. ناهيك عن بعض ما أدلى به فى التحقيقات المشار إليها وذكره فى لقائنا ويكرره ويتندر به بين أصدقائه ومحبيه وهو بالقطع يوغر صدر أنصار الدولة الدينية منه مثل الاستفسار المتداول فى بعض كتب التراث القديمة ويُعاد طرحه فى أيامنا هذه عن (بافتراض وجود رجل له قضيب برأسين.. أتى زوجته بأحدهما فى فرجها وبالثانى فى دبرها .. فماهو حكم الدين فى ذلك؟) ..وإمعانا منه فى التندر بانشغال أنصارالإسلام السياسى بهذه الترهات وإهمالهم لقضاياالمجتمع الحية .. قال : وما أن ذكرت ذلك للمحقق لم يتمالك نفسه من الضحك لدقائق.

لقد ذكرت له أنه يقوم بدوره بأسلوب فعال وناجح .. ومن الضرورى أن يستمر ذلك .. وأعتقد أن النتائج التى أحرزها حتى الآن يعود الفضل فيها فى تقديرى لأسباب عدة منها أنه لم يدخل معركتين فى وقت واحد ، وبالتالى أرى إرجاء إصدار كتابه عن زواج المتعة حتى ينتهى مما هو منخرط فيه من معارك.

لم ندرك أن الوقت سرقنا وامتدت دقائق صديقنا محمود الطويل إلى ثلاثة ساعات ونصف وأرجأنا موعدنا الآخر رغما عنا ..وغادرنا مكتبه.

سبقناه فى الخروج وتركناه.. واستأذنتُ محمود فى إلقاء نظرة على البناية -التى يقبع مكتبه فى دورها الأرضى – من الخارج ، فسألنى محمود مستغربا.. ماذا ..؟ فصمت للحظات ثم قلت : هذا الرجل سيقتل من هذا الشباك المطل على الشارع الخلفى.
لم تمر خمسة شهورعلى لقائنا الوحيد حتى اغتالوه أما البناية وليس من الشباك.. أطلق عليه النار شخص أمى لايعرف القراءة والكتابة .. ولم يقرأ كتبه .

و أتذكر الآن.. أنى ومنذ غادرت مكتبه فى أواخر يناير 1992 ترن فى أذنى مقولة للصديق جلال الجميعى .. أطلقها عليه قبل سنتين من ذلك التاريخ : هذا أشجع رجل فى مصر.

8 يونيو 2016 بشير صقر