إنقلاب المادة 8 على الجمعيات الزراعية .. فى تعديلات قانون التعاون الزراعى المصرى الأخيرة

بشير صقر
الحوار المتمدن-العدد: 4683 – 2015 / 1 / 5 – 02:33
المحور: الحركة العمالية والنقابية

تناقلت وسائل الإعلام فى الأيام الأخيرة تعديلات تجرى على قانون التعاون الزراعى رقم 122 الصادر عام 1980 يتضمن بعضها تصريحات لرئيس الاتحاد التعاونى المركزى وبعضها لوزير الزراعة بشأن الموضوع.

وقبل التعرض للتعديل بالنقد نتناول بسرعة فحوى القانون الذى جرى تعديله ولمادتين هامتين فيه هما الثانية والثالثة والثمانين .

*بعد تولى السادات مقاليد الحكم شرع فى إقرار وتنفيذ سياسة جديدة معاكسة تماما للسياسات السارية فى عهد سلفه عبد الناصر كانت محط رضى الكثير من قطاعات الشعب برغم ما اكتنف بعضها من مشاكل ليس هنا مجال تناولها، ونظراً لخوف السادات من غضب الشعب اتبع تاكتيكا ملتويا وغير مباشر فى الارتداد عنها يتمثل فى تقويض كثير من القوانين والمواد القانونية فى المنظومة التشريعية الزراعية ليس من بينها القانون الذى يستهدفه إلى هدفة بالتدريج ؛ أو العمل على تقويضها من الناحية العملية دون المساس بالنص القانونى الذى يحميها.

*وعلى سبيل المثال فهو لكى يرفع إيجارات الأرض الزراعية لا يلجأ لذلك مباشرة بل يرفع ضريبة الأطيان ومن ثم يرتفع الإيجار تلقائيا ( لأن الإيجار كان يتحدد آنذاك بسبعة أمثال الضريبة ) ، ولأنه كان يستهدف قانون الإصلاح الزراعى فلا يقوم بتعديله مباشرة بل يلجأ لتعديل قانون الأراضى الصحراوية ويرفع الحد الأقصى لملكية الأرض الصحراوية ( الذى لن يشعر به أحد ممن يملكون الأرض الزراعية ) وهو ما يعنى عمليا الاعتداء على الحد الأقصى لملكية الأرض التى حددها قانون الإصلاح الزراعى والذى يسوى فى هذا الأمر بين الأراض الزراعية والبور والصحراوية . أو يلجأ – كما حدث فعلا – للإفراج عن أراضى الحراسة للإقطاعيين – وهى غير أرض” الاستيلاء ” التى صادرها قانون الإصلاح – وعند استلام الإقطاعيين للأرض تتواطأ هيئة الإصلاح وفروعها فى الأقاليم وتسلم الإقطاعى ليس أرض الحراسة بل أرض الاستيلاء ؛ ليعود الإقطاعى بعد سنوات مطالبا باستلام أرض الحراسة وتتم الاستجابة له .. وهكذا .

*المهم أن السادات الذى كان معروفا عنه عداءه للفلاحين اتخذ من الإجراءات وأصدر من القرارات والقوانين ما يقصم ظهر الفلاحين فقد أغلق الاتحاد التعاونى، وأنشأ بنوك التنمية فارتفعت أسعار فوائد السلف الزراعية ، وفتح الباب مواربا لتجارالسوق السوداء فى الأسمدة للنشاط ، وأغمض العين عنهم ، وضيّق الخناق على زراعة القطن وقام بتصديره ببذوره على غير ما كان ينص القانون لتتدهور زراعته بعد سنوات ويفقد أسواقه العالمية وتنهار أسعاره ومعها تنهار جملة الصناعات المرتبطة به.

ولم يقترب من قانون التعاون طيلة عشر سنوات من حكمه ؛ لكنه عندما تأكد من توافر مقومات التغيير شرع مباشرة فى استبدال قانون التعاون الناصرى (51 / 1969) بقانون معاكس تماما ( 122 لسنة 1980) ؛ ولو أنه لجأ لعكس هذه الطريقة لثار عليه الفلاحون.

ملاحظات على قانون التعاون 122 / 1980:

أولا :

*برغم أية مآخذ على القانون السابق له ( 51 / 1969 ) إلا أن وفر للفلاحين كل مستلزمات الإنتاج من تقاوى وأسمدة ومبيدات وأعلاف وآلات زراعية وأمصال ولقاحات بيطرية بالكميات والجودة وفى التوقيت المناسب وبسعر مدعوم وبالأجل.

وقصَر توظيف رءوس أموال الجمعيات على الزراعة ، وسجل حيازة الأرض فى الجمعية الزراعية باسم الزارع لا المالك.

كما وفر لهم المرشدين الفنيين الأكفاء والسلالات النباتية الجيدة وساعد فى وقاية وعلاج الماشية من الأمراض البيطرية ، وأمدهم بالسلف منخفضة الفائدة ، ولم يحصّل منهم إلا ضرائب محدودة على أطيانهم ، وفى لحظات التعثر لم يكن استيفاء الدين إلا من المحصول وليس بالحجز على الأرض.

فضلا عن توفير إيجار مناسب للأرض وضمان استمرارية الفلاح فيها مما هيأ له الاستقرار.

واشترط لعضوية الجمعية ألا تزيد حيازة العضوعن عشرة أفدنة ( ملكا أو إيجارا) ، واشترط فى عضو مجلس إدارة الجمعية الإلمام بالقراءة والكتابة وليس إجادتها.

تلك كانت الخلفية فى الريف التى باشر فيها السادات عمله. لكنه فعل ما فعل وزرع كل البذور المرّة التى تجرع الفلاحون نتائجها على مدى العقود الفائتة ، بعدها أصدر قانونه للتعاون 122/ 1980 الذى تخلى فيه عن مصالح هؤلاء الفقراء وأحكم قبضة الدولة ممثلة فى وزارة الزراعة على الجمعيات ، فتضمن القانون الذى لا يتجاوز خمسا وثمانين مادة ما يزيد عن 10 % من مواده تبيح تدخل الجهة الإدارية فى أعمالها ؛ لذلك فمناقشة ذلك القانون يمكن تلخيصها باطمئنان فى الفقرة السابقة.

ثانيا :

المادتان 2 ، 83 من القانون 122 / 1980 :

تنص المادة الثانية من القانون على :

[ تعتبر جمعية تعاونية تشهر طبقا .................................................................
..........................................................................................................
ولا يجوز لغير الجمعيات المنشأة طبقا لأحكام هذا القانون أو لأى قانون تعاونى آخر أن تُضمِّن اسمها كلمة " تعاون زراعى " أو مشتقاتها.
.........................................................................................................
............................................................................................... ]
وتنص المادة الثالثة والثمانين من القانون على :
[ يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين وغرامة 500 ( خمسمائة جنيه ) أو بإحداهما ، كل شخص أطلق بغير حق فى مكاتباته التجارية أو لوحات محاله أو أى إعلان مما يُنشَر على الجمهور بأن هذا العمل لمشروع ( تعاونى زراعى ) ؛ أو استعمل فى عمله أو مشروعه تسمية أخرى يُفهم منها أن ذلك العمل أو المشروع هو ( جمعية تعاونية زراعية ) ، ويُحكم فضلا عن ذلك بإطالة اسمه ونشر الحكم على نفقة المحكوم عليه فى إحدى الصحف اليومية .]
ونظرا لأن الجمعيات التعاونية الزراعية آنذاك ليست من الإغراء بالدرجة التى تجذب بعض الناس لانتحال اسمها ووضعه على إعلاناتها أو محلاتها التجارية أو نشاطها.. إذن فهناك سبب آخر لتجريم ذلك السلوك وتوقيع هذه العقوبة الشديدة على مرتكبها .
وتقديرنا – الذى نتمسك به ولا يتسرب لنا أدنى شك بشأنه – هو أن الهلع الذى انتاب المادتين المذكورتين لا يخرج عن الخشية الشديدة من جانب الدولة ووزارة الزراعة من قيام الفلاحين بتأسيس جمعيات تعاونية مستقلة بعيدا عنها وعن المتنفذين فى جمعياتها الزراعية ؛ بالذات وأن المعاناة من الغلاء ومصادرة الحريات ومن تدنى دخول الفقراء قد تعالت وسبقها انفجار انتفاضة الجوعي فى 18 ، 19 يناير 1977 الذى هز أركان المجتمع ، ثم رد الفعل الواسع بخصوص عقد اتفاقية كامب ديفيد الذى أفقد السادات صوابه .. وبات يحس بصعوبة استمراره فى الحكم ؛ ولأنه لم يكن يمل من وصف نظامه بالديمقراطي فقد أسس – قبل وفاته – الحزب الوطنى الديمقراطى ؛ فضلا عن انتشار كثير من التقديرات السياسية الدولية تتناول قضية الديمقراطية والطريقة التى تُحكم بها بلدانُ العالم الثالث آنذاك والتى باتت مستحيلة ويجب تغييرها.
وهذا ما وضع السادات فى حالة من العصبية الدائمة والتوجس من الشعب وبشكل خاص من الطبقة التى يكرهها ويناصبها العداء .. الفلاحين ، وكان بمثابة الخلفية التى أملت عليه إصدار هذا القانون وصياغة المادتين 2 و 83 منه بهذه الكيفية.
يضاف لكل ذلك أن الفلاحين هم الفئة الوحيدة فى المجتمع المحرومة قانونا من تأسيس النقابات.

ثالثا :

تعديل القانون 122 / 1980 :

فى الأسبوع الثانى من شهر ديسمبر جرى الإعلان عن التعديل الذى تضمن ثمانية مواد هى [ 8 ، 19 أولا ، 21 بند 5 ، 39 فقرة 1 ،46 بنود 1 ، 2 ، 10 ، 12 ، 52 ، وإضافة 4 بنود ( 9 ، 10 ، 11 ،12 ) للمادة 71 ، فضلا عن بعض الإضافات غير الجوهرية لبعض المواد لتقويم الصياغة ] لقد كان أهمها على الإطلاق تعديل المادة 8 الذى لا يمكن تسميته تعديلا بل انقلابا على المادة المعدلة لأنه حذف كلمة ( لا ) من عبارة ( لا يجوز) وأبقى مضمون المادة ثابتا .

هذا ونصت المادة بعد التعديل على : [ يجوز للأشخاص الاعتبارية المساهمة فى رأسمال المشروعات التى تنشئها الجمعيات التعاونية – المنشأة وفقا لأحكام هذا القانون- بغرض تنمية الإنتاج وبما لا يزيد عن 25 % من رأسمال هذه المشروعات دون أن يترتب على ذلك أى حقوق للمساهمين أعضاء الجمعية العمومية ، ويكون للسهم حق فى الفائض يوزع بنسبة المساهمة فى رأس المال.

ويجوز للجمعية التعاونية - بعد موافقة جمعيتها العمومية – وبعد أخذ رأى الجمعية العامة أن تؤسس شركات مساهمة فيما بينها وإقامة مشروعات استثمارية وتجارية تعود بالربح على الجمعية التعاونية بغرض تنمية المجالات المنصوص عليها فى المادة 3 وفقا للقواعد التى تحددها اللائحة التنفيذية. ]

ويمكن القول باطمئنان أن ساعة الصفر قد حانت ؛ للانقضاض على الجمعيات التعاونية الزراعية من جانب شركات القطاع الخاص ( الشخصيات الاعتبارية ) لتلقى مصير القطاع العام الصناعى ، ذلك القطاع الذى يضم ألوف المصانع والشركات عاطلة عن العمل تنتظر البيع أو إعادة التشغيل ؛ وما حَكَمَ القضاءُ بإعادته لم ينفذ بعد ؛ وحصيلة ما تم بيعه منها لا يعرف مصيره أحد حتى الجهاز المركزى للمحاسبات ، ومئات الألوف من العمال والفنيين والعاملين تم تسريحهم بالمعاش المبكر وأصبحوا من مرتادى المقاهى الدائمين.

*وما يُدبّر للجمعيات الزراعية يختلف عما جرى للقطاع العام من حيث الوسيلة والأساليب ؛ رغم أن الهدف واحد وهو السطو جهود فلاحيها وعلى الإمكانيات الهائلة التى تمتلكها الجمعيات الزراعية من مقار، وشون ، ومخازن ، وورش ، وآلات ، ومراكز تدريب ، ورءوس أموال، وأراضى فضاء ، وجراجات ، وإعفاءات وتخفيضات فى الرسوم والتمغات واستيراد الآلات الزراعية وبعض مستلزمات الزراعة وأسعار المشتريات والنقل ، وتسهيلات فى التعامل مع أجهزة الدولة ، ومع المؤسسات الخدمية والنوادى وغيرها ) وزيادة أرباحهم ، وإزاحة معظم أعضائها من الفلاحين الفقراء خارجها والاستئثار بما كانوا يحصلون عليه من خدمات ومستلزمات للإنتاج.

*فبين يوم وليلة وبعد أن كانت شركات القطاع الخاص ( الشخصيات الاعتبارية ) ممنوعة من الاقتراب من الجمعيات بحكم كل قوانين التعاون التى صدرت طيلة أكثر من ستين عاما حتى اليوم ؛ أو من المشاركة فى أنشطتها أو المساهمة فى رءوس أموالها .. أصبح مُرحّبا بها ، وتم تعديل القانون لفتح الباب لمساهمتها – فى المشروعات التى تملكها الجمعيات الزراعية أو التى سيتم تأسيسها خصيصا لهذا الغرض – بـ 25 % من رأسمال تلك المشروعات وذلك كخطوة أولى وكوسيلة لدخول الجمعيات من بابها الخلفى ( باب المشروعات) .
*وفى وقت لاحق وبعد أن تزداد سطوتها ووزنها فى هذه الشراكة ترتفع مساهمتها كخطوة ثانية إلى50 % ثم إلى 75 % من رأس المال ، وهكذا يمكن أن يتكرر تعديل القانون لتساهم تلك الشركات ( الشخصيات الاعتبارية ) فى هذه المرة فى رأسمال الجمعيات الزراعية نفسها بدلا من رأسمال شركاتها أو مشروعاتها.

*وبعيدا عما ستؤول إليه أوضاع الجمعيات التعاونية بسبب تلك الشراكة .. نتوقع لأعضاء الجمعيات الزراعية من الفلاحين مالكى ثلاثة أفدنة فأقل أن تتم إزاحتهم خارج الجمعيات التعاونية الزراعية بالتدريج حيث أن الخطوة الأولى فى هذا المسار كانت قد اتُخذت فى يونيو 2007 عندما عممت وزارة الزراعة – من خلال الإدارة المركزية للتعاون – منشورا لكل مديريات الزراعة فى المحافظات ووصل كل الجمعيات الزراعية بوقف تسجيل صفة فلاح – لهذه الفئة من أعضاء الجمعيات – فى بطاقات تحقيق الشخصية ، ودفعهم لتسجيل صفتهم أو هويتهم كعمال فى نقابة عمال الزراعة .. وهو ما سبق أن حذرنا منه فى المقال المنشور بموقع الحوار المتمدن ( العدد 2170 بتاريخ 24 / 1 / 2008
على الرابط http://www.ahewar.org/m.asp?i=1625 )

*وبمرور الوقت ( من 2007 – 2014 ) وبتزايد أعداد الفلاحين الذين أجبروا على تغيير هويتهم (من فلاح إلى عامل زراعى) يبدأ العد التنازلى فى عملية التسريح من الجمعيات :

أولا : بحرمانهم من العائد الذى توزعه الجمعيات على أعضائها من المساهمين من فائض الأرباح التى حققتها فى نهاية الموسم الزراعى.

ثانيا : ثم يتصاعد الأمر بحرمانهم من خدمات الجمعية ثم من مستلزمات الإنتاج ( بذور – أسمدة ..إلخ ) باعتبارهم ليسوا فلاحين كما هو مدون فى بطاقات تحقيق الشخصية.

ثالثا : وبتنفيذ الخطوتين السابقتين يجرى توثيق ذلك بالقانون وفصلهم من الجمعيات التعاونية. وبخروجهم منها تتحول الجمعيات التعاونية فى وجود كبار الزراع وأغنياء الفلاحين إلى كرة يتلاعبون بها.

*وهنا يجئ دور شركات القطاع الخاص ( الشخصيات الاعتبارية ) التى سمح لها تعديل المادة الثامنة من قانون التعاون الزراعى 122 / 1980 للدخول إلى الجمعيات من بابها الخلفى – من خلال المساهمة فى رأسمال المشروعات أو الشركات التى تملكها الجمعيات التعاونية – للهيمنة عليها .. وفرض شروطها.

*وبعد أن كانت الجمعيات ملاذاً .. لفقراء وصغار الفلاحين .. تصبح عزبة لشركات القطاع الخاص ( الشخصيات الاعتبارية ) تنفرد بها أو تتقاسمها مع كبار الزراع وأغنياء الفلاحين والبقية معروفة .. هى استشراء وتوسع هذه الشركات مع كبار الزراع فى تضييق الخناق على من تبقى من فلاحى الجمعيات ودفعهم لبيع أراضيهم .. واستخدام الفقراء منهم كعمال فى مزارعهم الواسعة مترامية الأطراف .. تماما كما جرى مع عمال القطاع العام الصناعى.

ولا يفوتنا فى النهاية إلا التذكير بأن رجال الأعمال من الرأسماليين عندما يحددون هدفا يتفننون فى الوصول إليه بكل الوسائل حتى لو أراقوا ماء وجوههم ، ويبتدعون أدوات لا تخطر على بال ، ويتخذون أشكالا لا تعبر عن حقيقتهم ولا تصرح بما فى صدورهم .. كل هذا وهم لم يتمكنوا بعد من ملامسته ، أما عندما يصيرون جزءا – ولو هامشيا – منه تتغير لهجتهم وهيأتهم وأساليبهم وملامحهم ويسفرون عن كائن مختلف تماما عما ظهر لنا فى البداية ويفصحون عن هويتهم وأغراضهم الحقيقية بعيون جامدة ودون أدنى خجل.

فهل من مصلحة فقراء الفلاحين وصغارهم الموافقة على هذا التعديل ..؟

وهل من مصلحة عمال الزراعة المعدمين أن يبيع صغار الملاك أراضيهم أو يتحولوا إلى معدمين لتتضاعف أعداد العمال الزراعيين وتنخفض أجورهم لأكثر من ذلك ..؟!

هذا هو السؤال الذى ينتظر الإجابة ..

الأحد 4 يناير 2015 بشير صقر
لجنة التضامن الفلاحى – مصر