مراشدة نجع حمادى والسلامونى إخميم بصعيد مصر.. بين مطارق قوات الشرطة وسندان جباة الضرائب

ستزرع الفلاحون الصحراء فطردتهم الشرطة من حقولهم
وبنى الأهالى قرية السلامونى فلاحقهم جباة الضرائب
الصعايدة يصرون على البقاء مواطنين منتجين شرفاء
والدولة تستميت فى تحويلهم إلى مشردين ومطاريد ورديف لجماعة الإخوان

،،،،،،،،،،،،،،،

قصتان جديدتان من محافظتى قنا وسوهاج فى الصعيد ” الجوانى ” لقريتين إحداهما فى غرب النيل ” المراشدة ” والأخرى فى شرقه ” السلامونى ” تمثلان نموذجا لاعتماد المصريين على أنفسهم بعد أن رموا ” طوبة الدولة ” وأدركوا أنهم ليسوا على أجندتها أو فى ذاكرتها .
قصتان كلاهما عن السير فى الدروب الوعرة والاحتماء بالطبيعة من تعسف البشر، إحداهما عن استزراع الصحراء وإنتاج الغذاء بعيدا عن الوادى الذى لم يعد فيه موطئ لقدم والأخرى عن اللجوء لحضن الجبل الأكثر نعومة من خشونة الدولة وفظاظتها والأكثر وفاء لمن يلجأون إليه طالبين المأوى بعد أن ضاقت بهم بيوتهم التى نشأوا فيها.
القصتان مرتبطتان بضيق الرقعة الزراعية وتوقف استصلاح الأراضى من ناحية وبزيادة السكان وفشل سياسة الدولة فى الإسكان الريفى فشلا ذريعا من ناحية أخرى.
فالدولة من بعد وفاة عبد الناصر كفت عن استصلاح الأراضى الصحراوية وما كان موجودا منها وزعته على المحاسيب والكبار وأصحاب النفوذ والأجانب ؛ كما توقفت عن بناء المساكن للفقراء ، وساهمت البطالة وندرة الوظائف وفرص العمل والسكن حتى فى المدن الجديدة عن استيعاب أبناء الريف من الوجه البحرى والصعيد ، وأصبح لجوؤهم إلى الهجرة غير الشرعية إلى البلاد الأوربية وربما الغرق فى مياة البحر المتوسط المنفذ الوحيد لهم بعد ضاقت بلاد البترول بما فيها من عمالة مصرية وبعد الدمار الذى اجتاح بعضها ويهدد البعض الآخر.. علاوة على القضاء على القطاع العام الصناعى فى مصر وإغلاق أربعة آلاف مصنع بالضبة والمفتاح.
• لكل هذا لجأ أبناء ” المراشدة ” مركز نجع حمادى إلى الصحراء القريبة من قراهم يستصلحون أرضها وينقلون لها جزءا من طمى النيل والأسمدة البلدية ويحفرون الآبار لريها .. فقيامهم باستصلاح الأرض بأنفسهم رغم مشاقها أهون من ” رزالات ” الحكومة التى لا تتوقف وآمن ( أأمن ) .. وطول مدة إستصلاحها أقصر من انتظار الفرج الذى لن يأتى لأن ” حمارتك العرجاء تغنيك عن سؤال اللئيم ” كما يقول المثل الشعبى.
• ولكل ما سبق احتمى أهالى ” السلامونى ” بحضن الجبل الذى كان أكثر رأفة بهم وحنانا من ألاعيب جباة الضرائب فى وزارتى المالية والإدارة المحلية الذين يتفننون كل يوم فى البحث عن ” نقرة ” لابتزاز قروشهم القليلة أوعرقلتهم عن شراء الأرض المبنية عليها منازلهم من بداية القرن الماضى على أقل تقدير.
وبالمناسبة فوزير الإدارة المحلية الحالى عندما كان محافظا للإسكندرية هدم البيوت على رءوس سكانها فى 19 مايو 2008 ( فى مساحة 38 فدانا بمنطقة طوسون بالمعمورة ) وشرد أهلها سنتين ونصف بل ورفض تنفيذ حكمين قضائيين صدرا لصالحهم ( 169 / 2008 مستعجل) ، ( 1096/ 62 ق.إ فى 2/1/2010 – بوقف قرار الإزالة وما ترتب عليه من آثار والتعويض ) ولم ينفذهما سوى الأهالى المشردين بأنفسهم وذلك فى يوم الجمعة 28 يناير 2011 .
• والجدير بالذكر أن الدولة كانت تعرف من أول يوم لجوء فلاحى المراشدة لاستصلاح الصحراء لكنها انتظرت حتى تحول لون الأرض الأصفر إلى الأخضر ثم بدأت فى مطاردتهم من خلال الشركة العامة للتعمير والتنمية الزراعية ( هل لديكم مستند ملكية أوعقود إيجار أو انتفاع ..؟ ، من أعطاكم التصريح بالاستيلاء على أراضى الدولة ..إلخ..؟ )
وهكذا جرى التمهيد ليس لشكرهم على ما أنجزوه على مدى سنوات طويلة من استصلاح للأرض الذى هو واجب الدولة وتقاعست عن القيام به هذه الشركة تحديدا ؛ ولا على إنتاجهم للغذاء والخيرات ؛ ولا على إصرارهم على أن يظلوا شرفاء؛ ولا على إعفاء الدولة من عبئهم وهمومهم بل كان هم الدولة هو إزاحتهم منها بأى شكل وطريقة .
-كذلك فقد لجأ أهالى السلامونى إلى حضن الجبل يتخذونه مأوى ويبنون منازلهم فى ظله بما يتجمع لديهم من قروش ويسعون للعمل المنتج والرزق الشريف من عرقهم وكدهم حيث عمل الكثير منهم فى أعمال بسيطة تقيهم شر السؤال لتربية أولادهم ولم يركبوا ظهر الجبل يفرضون الإتاوات ويقطعون الطرق ويسرقون المارة و ينخرطون فى جيوش الجريمة والعنف المسلح وبدلا من مساعدتهم فى التغلب على مشاق الحياة وصعوباتها تعاملت معهم الدولة باعتبارهم خارجين على المجتمع .
-لقدقام حوالى 300 فلاح من المراشدة باستصلاح مساحة تزيد عن الألفى فدان منذ عام 1983 بجهودهم الخاصة وحفروا الآبار واشتروا مولدات الكهرباء لرفع المياة ورى زراعاتهم ولما باغتتهم الشركة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية التزموا بكل التعاقدات معها ولديهم الإيصالات الدالة على ذلك والخرائط التى تحدد المساحات التى استصلحوها ورغم ذلك جرى ما جرى فى ديسمبر 2014 و قامت الشرطة بطردهم من الأرض.
ولم تكن تلك هى الحالة الوحيدة فى المنطقة فقد سبق طرد 5 آلاف فلاح من منطقة أخرى قريبة عام 2010 وسُلمت الأرض المذكورة لشركة يابانية ( 23 ألف فدان ) لم تزرع منها الشركة حتى الآن أكثر من ألف فدان ( بالبرسيم الحجازى ).
-ومثال آخر يفضح التفرقة بين أبناء الوطن الواحد أو بمعنى أدق يكشف التمييز بين المواطنين وبين الأغنياء والفقراء حيث خصصت الشركة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية عدة عشرات من آلاف الأفدنة للأمير هاشم الدندراوى الذى يؤكد بعض أهالى المنطقة أن الأرض يتم التحضير لبيعها بعد ” تسقيعها “.
-واحتجاجا على تجريدة الشرطة الوحشية على فلاحى المراشدة أضرب عدد منهم عن الطعام ورفضت المستشفيات القريبة استقبالهم وهو خرق للوائح ولمواثيق وعهود حقوق الإنسان التى وقعت عليها الحكومة المصرية فضلا عن خرقها للدستور الذى كفل للمصريين حقوق الاحتجاج المختلفة باعتبارهم مواطنين كاملى الحقوق.
– أما ماجرى مع أهالى قرية السلامونى( 518 أسرة بمتوسط 6 أفراد أى ما يزيد عن 3 آلاف نسمة ) مركز إخميم بمحافظة سوهاج فنعرضه فيما يلى :

1- قررت الدولة منذ خمسين عاما تقريبا تأجير أرض الكتلة السكنية بخمسين قرشا للمتر المربع فى السنة، واستمر الحال حتى عام 1999 حيث رفعت الدولة الإيجار إلى 175 قرشا للمتر المربع .
2- صدر القانون 148 / لسنة 2006 بخصوص التصرف بالبيع فى أملاك الدولة التى وضع المواطنون يدهم عليها ؛ ويتحدد السعر بالاتفاق المباشر معهم استنادا للغرض المستخدمة فيه الأرض مع مراعة عدة اعتبارات هى ( تاريخ وضع اليد ، غرض استخدام الأرض ، مصلحة الدولة ، البعد الاقتصادى والاجتماعى لواضعى اليد )، وفى أعقابه صدر قرار رئيس الوزراء رقم 2041 لسنة 2006 يوضج الإجراءات المتبعة فى تنفيذ القانون.
3- وقد أفاد بعض أهالى السلامونى بأنه فى أعقاب ذلك تكونت لجنة أشرفت عليها المحافظة قدرت سعر المتر المربع بعشرة جنيهات تمهيدا لتمليك الأرض للأهالى .
2- إلى أن أعلنت المحافظة فى عام 2008 عن رغبتها فى تمليك الأرض للفلاحين بسعر المتر المربع 50 – 60 جنيه وتمثلت الشروط فى ملء استمارة ( طلب شراء )على أن يتم دفع 10 % من قيمة الأرض مقدما إضافة إلى 4 % من القسط ( مصروفات وخدمات وتجميل مدينة ) ويُقسّط الباقى على 20 عاما.
3- ولما كانت المحافظة قد فتحت باب الشراء لفترة وجيزة ثم أغلقته لم تستطع غالبية السكان من التقدم بطلبات الشراء فى الموعد المحدد ومن المنطقى فى مثل هذه الحالة ألا يكون كثير من الأهالى على علم بكل الشروط أو ألا يكون معهم المقدم المطلوب ويحتاج الأمر إلى بعض الوقت لتدبيره .
4- بعد أن تم تحديد الثمن بواسطة لجنة من الوحدة المحلية ( تسمى لجنة التقييم ) عادت لجنة أخرى ( تسمى لجنة البت ) برفع الثمن إلى 200 – 300 جنيه للمتر المربع بينما فى القرى المجاورة ( الصوامعة شرق ، الديابات ، الكولا ) تحدد سعرالمتر المربع بـ 50 – 60 جنيه، كما تم رفع الإيجار فى السلامونى من 175 قرشا للمتر إلى 10 جنيهات بينما القيمة الإيجارية فى القرى المجاورة 275 قرشا للمتر سنويا .
5- ولما أبدى أهالى السلامونى ملاحظاتهم على التمييز بين القرى وعلى رفع ثمن المتر فى قريتهم من 50 – 60 جم إلى 200 – 300 جم وتقدموا بعدد من الشكاوى لجهات متعددة منها المحافظة تضمنت [ قصر المهلة التى حددتها المحافظة لتقديم طلبات الشراء ، وتراكم الفوائد على من تقدموا بالشراء خصوصا إذا توقفوا عن السداد بسبب رفع السعر والتى بسببها تتضاعف المبالغ المطلوبة منهم استنادا إلى هذا التأخير] .
6-هذا و قامت المحافظة بتبادل عدد من المكاتبات مع كل من وزارة المالية ولجنة المستشارين بمجلس الوزراء تطالب بمعرفة مدى قانونية تغيير السعر الذى حددته لجنة البت ( 200 – 300 جم ) إلى نقطة وسط بينه وبين سعر لجنة التقييم ( 50 – 60 جم) والإجراءات التى تتبع فى ذلك استنادا إلى استحالة قدرة الأهالى على الوفاء بالسعر الأعلى.. وقد دخل الموضوع فى عدد من التعقيدات الإدارية والقانونية وانتهى إلى كتابة لجنة البت تقريرا عن الموضوع سيتم تحويله إلى لجنة الفتوى بمجلس الدولة.

من جانب آخر يبدى أهالى السلامونى عددا من المآخذ والاعتنراضات على لجنة البت منها وجود أعضاء مشتركين فى لجنتي ( التقييم والبت ) مما يهدر قانونية التقديرات التى صدرت عنهما ، علاوة على ما سبق ذكره من التمييز بين القرى سواء فى القيمة الإيجارية الحالية أو فى تقدير ثمن متر الأرض وهو ما يعنى التعنت أهالى السلامونى بالذات الذين لا يجدون له مبررا واضحا. .. خصوصا وأن القرية تعتبر إحدى المناطق المهددة بشكل دائم بخطرالسيول وهو ما يحتاج من الدولة ولجان التقييم والبت وضعه فى الاعتبار ومراعاة حماية السكان من مثل هذه المخاطر بشكل عاجل .

وإزاء هذا الوضع المعقد فإن الأهالى معرضون لعدد من المخاطرهى :
أولا : أن يتم حرمان أغلبيتهم من حق شراء الأرض نظرا لقصر الفترة التى حددتها المحافظة لتقديم طلبات الشراء.
ثانيا : عجز معظم من تقدموا لشراء الأرض عن دفع أقساطها بعد رفع سعر المتر المربع إلى 200 – 300 جم .
ثالثا : تراكم الفوائد على من تقدموا لشراء الأرض خصوصا وأن قرار لجنة الفتوى بمجلس الدولة سيحتاج لسنة على الأقل لإصداره.
رابعا : تراكم قيمة الإيجار الجديد ( 10 جنيهات للمتر المربع ) لمن لم يتقدموا للشراء ، ولمن تقدموا للشراء ولم يستمروا فى دفع الأقساط بسبب ضعف قدرتهم المالية بعد رفع سعرالشراء.
خامسا : المصير الذى ينتظر من لم يتقدم للشراء أو من تقدموا وتراجعوا وهو على الأرجح ترك منازلهم وتراكم الإيجار . هذا بخلاف ما يمكن أن يحدث فى مواسم الأمطار الغزيرة من تعرض الأهالى لمخاطر السيول.. التى يتحدث عنها الأهالى قائلين ” أن الخالق كان رحيما بنا من غدر السيول طيلة عشرات السنين .. فأين رحمة المخلوق بنا إذا كانت إزالة منازلنا هى الخطر الذى يمكن أن يداهمنا فى أية لحظة ..؟ ”

ولذلك فالأمريحتاج إلى إجراء محدد بإعادة فتح باب التقدم لشراء الأرض بأقل الأسعار لمنع تفاقم المشكلة ولإتاحة الفرصة للأهالى للتفرغ لأعمالهم وإعفاء الدولة من صدام جديد معهم لن يؤدى إلا إلى تعقيد الوضع بأكثر مماهو قائم.

السبت 2 مايو 2015 بشير صقر

لجنة التضامن الفلاحى- مصر