حائط الصد الأخير.. وحديث عن النخب السياسية

أثبت الشعب المصرى فى ثورتى 25 يناير 2011 ؛ 30 يونيو 2013 أنه قادر على المبادرة والإطاحة بطغاته ؛ لكنه يعانى من صعوبة الإمساك بزمام القيادة وإدارة الدولة ومن الافتقار لمخزون الخبرة والاحتياج لصلابة النخب.
تمهيد:
لأن الحياة بأوجهها المتنوعة معطى موضوعى ؛ فهى تسير فى مدارها الطبيعى دون مراعاة للطموحات الخاصة والأفكار المسبقة غير عابئة بالتصورات الذاتية أو المصالح الدفينة و الرغبات المضمرة.
ولأن الحياة هى المنبع الرئيسى لكل المبادئ والقيم والنظريات التى تُسيّرها منذ نشأتها وحتى الآن؛ فلا فرصة للاستمرار أمام أية أفكار أو تصورات تتعارض معها أو تعوق تقدمها أو تحرف مسارها ، وحتى إن تمكنت بعض تلك الأفكار- لأسباب استثنائية – من التواجد لبعض الوقت فى بعض الأماكن أو بين بعض البشر.. فلن تلبث أن تنهار أمام قوة الحياة وتناغمها .
كذلك فبعض الأفكار التى ساهمت فى تسيير الحياة حقبة من الزمن ثم توقفت عن الاتساق معها .. مصيرها الاندثار والانتقال إلى متحف الحياة لتكون أحد البراهين والدلالات على سنّة التطور الخالدة التى تحكم الحياة منذ نشوئها.
ولأن النظريات عموما والسياسية بشكل خاص هى نتاج المشاهدة والبحث والتمحيص فهى تتغير بتطور الحياة ومرور الزمن وتقدم العلوم الطبيعية ؛ ولذلك لا يمكن الرجوع للنظريات ولما هو مدون فى الكتب طالما كان كتاب الحياة مفتوحا وصفحاته بين أيدينا.
وحيث أن ثورة الشعب المصرى السلمية فى 30 ىيونيو 2013 قد استثارت من الغبار حولها قدر ما أثارت من الانبهار بها .. استنادا لدوافعها الإنسانية الشريفة من جهة وإلى مطامع المعادين لها من جهة أخرى.
وتجلى ذلك فى مصر فى صفوف النخب السياسية و بين فصائل الإسلام السياسى ، وخارج مصر فى صفوف المعسكر الأمريكى الأوروبى والتنظيم الدولى للإخوان المسلمين؛ ولذا وجبت علينا قراءة ذلك المشهد بإمعان وتدقيق لتلمّس الدوافع المؤيدة والمطامع المعاكسة لها.
كان الانبهار بالثورة متمثلا فى ثلاثة عناصر أولها : ما قام به شباب الثورة من جمع عشرات الملايين من توقيعات المواطنين ترفض حكم جماعة الإخوان المسلمين . والثانى : هو حجم الجماهير التى ثارت فى 30 يونيو بأضعاف ما ثار فى 25 يناير من ناحية ؛ وشمول الثورة معظم محافظات مصر حتى وصلت لعديد من قراها فى الريف من ناحية أخرى.والثالث: هو سلميتها التى تجاوزت فيها الثورة السابقة فى عام 2011 .
بينما كان الغبار حولها ناجما عن إفشالها لمخططات كانت تجرى على قدم وساق بين جماعة الإخوان فى مصر ومنظمة حماس فى فلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والتى بموجبها يتم تهجير الفلسطينيين من غزة وسوريا إلى سيناء ؛ وإبرام اتفاقية نهائية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ؛ ونقل مفاعل ديمونة الذرى الإسرائيلى من صحراء النقب إلى وسط سيناء ؛ وإطلاق يد الجهاديين السلفيين وتنظيم القاعدة فى إنشاء إمارة إسلامية بسيناء ، وهو ما يضمن فى التحليل الأخير استمرار تدفق النفط العربى لأوروبا والولايات المتحدة وأمن إسرائيل وهيمنتها على المنطقة فضلا عن إطلاق يد الإسلام السياسى فى الدول العربية ( تونس واليمن وليبيا وسوريا والعراق ومصر) ليرتع فيها كما يشاء.
وفى تقديرنا أن وجها آخر لآثار ثورة 30 يونيو على معسكر مثيرى الغبار قد أثمر تداعيات لا يمكن التقليل من شأنها حيث اتسعت الفجوة بين الجمهوريين والديمقراطيين ووضعت الإدارة الأمريكية الحالية فى حالة بالغة الحرج أمام البرلمان والشعب الأمريكى بل وأمام حلفائها فى أوروبا خصوصا و فضيحة التجسس عليها مازالت ساخنة ؛ ومن الطبيعى أن ينعكس ذلك على ما يجرى فى سوريا .
كذلك أفضى هذا إلى زلزال شديد داخل التنظيم الدولى للإخوان المسلمين بل داخل تنظيماته القُطرية خصوصا فى تونس ومصر؛ فقد شرع الشباب التونسى المتمرد فى جمع توقيعات لتنحية جماعة النهضة التونسية من الحكم وكان رد الفعل المباشر لذلك اغتيال أحد الزعماء اليساريين ( محمد البراهيمى ) ظهر اليوم.
وفى مصر تجرى الانقسامات فى صفوف الجماعة وتنعكس على حلفائها من السلفيين والجماعة الإسلامية ومصر القوية .. صحيح يبدو من الظاهر تقاربها الآن أكثر من ذى قبل لكن ذلك يحدث الآن فقط – فى وقت الخطر الذى تتعرض له الحركة الإسلامية – لكننا نتوقع ألا يبقى الحال على هذا المنوال فيما بعد فسوف تتصدع تلك التنظيمات من داخلها علاوة على ما ستتعرض له من انهيارات بفعل المحاكمات القادمة المتوقعة والضغوط الشعبية.
قراءة للحالة الراهنة فى مصر :
أبرزت ثورتا 25 يناير ، 30 يونيو أن اللاعبين المصريين فى الساحة السياسية المصرية خمسة لاعبين هم الجيش أو بمعنى أدق المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، وفصائل الإسلام السياسى بقيادة الإخوان ، وفلول الحزب الوطنى ، والنخب السياسية ( الليبرالية والناصرية واليسارية ) ، وجماهير الشعب المصرى وفى مقدمتها شباب الثورة .
وللتعرف على دورها ووزنها فى الثورتين بإيجاز بالغ نعرض الآتى:
1- الجيش ( المجلس الأعلى للقوات المسلحة ) :
– يدير ويملك ما بين 30% – 40% من الاقتصاد القومى فى كثير من المجالات حتى الأندية الرياضية.
– يملك القوة المسلحة الأولى فى المجتمع من واقع وظيفته الأساسية واكتسب وزنا سياسيا من خلال كون الرؤساء الثلاثة السابقين منذ عام 1952 من بين أبنائه.
-تمثل دوره فى ثورة يناير فى الأيام الأولى فى رفض فض الحشود الجماهيرية بالسلاح وإفساح الطريق لفضح ممارسات مبارك وأبنائه والحلقة الضيقة المحيطة به من مساعديه دون إجراءات حقيقية لإدانتهم قضائيا ، ثم تولى زمام الأمور على مدى ستة عشر شهرا تحالف فيها مع جماعة الإخوان وتواطأ فى تدبيج إعلان دستورى معاد للدولة المدنية، وأوقف تطور الثورة.. وطارد الثوار وقتلهم وسحلهم وسجنهم وفجّر جماجمهم بالمصفحات وشهّر بهم ، وامتنع عن السير فى طريق تحقيق أهدافها ثم فيما بعد وضع الشعب أمام خيارين أحلاهما مر فى انتخابات الرئاسة . وانتهى بالخضوع لابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية بتسليم الحكم للجماعة .
– أما فى ثورة يونيو فقد لبى مطلب الشعب الغاضب وساعد فى عزل الرئيس لكنه اقترب من مسلكه السابق وأطلق شعار المصالحة المريب ؛ فى الوقت الذى صار مواجَها بعنف الإخوان وحلفائهم وبعناصر الجهاديين وتنظيم القاعدة فى سيناء ؛ وبتصاعد عمليات قتل المدنيين واقتحام المنشآت الحكومية والعسكرية؛ ومطالبا بالتصدى لها.
2- فصائل الإسلاميين بقيادة الإخوان:
– يمتلكون ما لا يقل عن 10 % – 15 % من الاقتصاد القومى؛ ولهم مصادر تمويل دولية متعددة مفتوحة على الدوام ، وهم منظمون فى تشكيلات عقائدية بمئات الألوف وبعضهم ( الإخوان ، والجماعة الإسلامية ) له تنظيمات مسلحة ومصادر ومخازن للسلاح ، علاوة على من تم استدعاؤهم للاستيطان فى سيناء وعدد من المناطق الصحراوية من مسلحين مدربين على حرب المدن والصحراء ؛ فضلا عن وجود خلايا نائمة فى أوساط المهنيين والقضاة والمحامين والصحفيين والجيش والشرطة وأعداد كبيرة من الموظفين فى الجهاز المدنى للدولة .
كذلك تدعمهم الولايات المتحدة الأمريكية فى تولي الحكم والإصرار على استمرارهم رغم رفض الشعب لهم.
هذا وأسهم مناخ التخلف فى الريف والعشوائيات فى دعمهم وفتح الطريق لهم فى تلك المناطق نظرا لسابق نشاطهم بها وبسبب الأيديولوجية الدينية فى صفوفها.
3- فلول الحزب الوطنى :
– على الرغم من أن الحزب لم يملك مقومات حزب حقيقى ولا تحكمه أيديولوجية متماسكة وانفرط بمجرد إزاحة مبارك إلا أن انتقاءه لأعضائه من بين رجال الأعمال ودوى النفوذ والحكام المحليين وكبار الزراع والمستثمرين علاوة على أعضاء المجالس المحلية الشعبية وارتباطه بجيوش كبيرة من البلطجية وتواجد كثيف حتى الآن فى جهاز الدولة المدنى وكثير من مفاصله علاوة على القضاء والنيابة والجيش والشرطة وأمن الدولة ، ومعرفة عميقة بتضاريس المحليات والمحافظات وسيطرة على حوالى 45 % – 50 % من الاقتصاد القومى قد جعل تجاهل دوره ووزنه فى الساحة السياسية نوعا من الحماقة.
– وقد لعبت هذه الفلول دورا فعالا فى مقاومة ثورة 25 يناير وساهمت فى إشاعة الفوضى التى استمرت طيلة حكم المجلس العسكرى وما تلاها وشاركت جماعة الإخوان فى اصطياد الثوار وقنصهم والقبض عليهم وخطفهم وتعذيبهم وفى إطلاق الشائعات وعرقلة تحقيق أهداف الثورة .
– كما أسهمت فى إفشال معظم التحقيقات التى تمت مع مبارك وأسرته وأقاربه ومساعديه وهو ما أدى لحصول معظم من ٌقدّم للمحاكمة على البراءة سواء فى تهم قتل الثوار أو الفساد .
– أما فى ثورة 30 يونيو فقد شارك بعضهم – استنادا لوهم استعادة الحكم – فى الحشود وفى مواجهة ميليشيات الإسلاميين ؛ وإن كان بعضهم قد ظل بعيدا عن المشاركة لأنه لا مصلحة له فى العودة للوراء ولا عقيدة سياسية تحكمه . هذا ولا يمكن تصديق الكثير مما قيل عن انفراد ميليشيات الإسلاميين بعمليات القنص والخطف والتعذيب للثوار فى ثورة يناير لأن دور جيوش البلطجية ورجال الحزب الوطنى كان موجودا وفعالا .
4- الشعب :
• لم يشارك فى الثورة الأولى ( ثورة المدن الكبرى ) بفعالية شديدة إلا ثلاثة مدن هى القاهرة والسويس والإسكندرية و3-4 مدن إقليمية أخرى على استحياء منها المحلة والمنصورة بينما ظلت أغلبية المدن الإقليمية بعيدة عن المشاركة الحقيقية أما الريف فكان فى سبات عميق.
• أما فى ثورة 30 يونيو فقد غطت الثورة معظم عواصم المحافظات وجانبا من مراكزها الإدارية وجزءا من الريف وهو تغيير كيفى منسوبا إلى الثورة الأولى.
• هذا وقد ابتدعت الجماهير وسائل متعددة للتظاهر السلمى والشعارات السياسية وواجهت فى الثورتين عنف الشرطة ثم ميليشيات الإسلاميين إلا أن محافظتى سيناء اتخذتا وضعا مغايرا بالذات فى الشمال حيث استثمر الإسلاميون الثلاثين شهرا الماضية فى التغلغل فى أوساط السكان وجندوا بعضهم فضلا عن النشاط الذى أبدته العناصر المسلحة ضد معسكرات ومراكز الشرطة ونقاط التفتيش العسكرية هناك.
• ونذكر بأن المسافة الزمنية التى فصلت بين الثورتين كانت بمثابة عملية تدريب متصلة للجماهير رفعت وعيها ولأول مرة نسمع الشعار ” آى بنقولها بجد // مش حنسيبها لحد” ، علاوة على أن الجماهير كانت المبادئة بكل المبادرات والشعارات التى تجاوزت حركة النخب.
5- النخب :
• ونقصد بها السياسيين القدامى والجدد الذين صعدوا على سطح الحركة الثورية نتيجة الحراك الشعبى المتواصل فيما بين الثورتين وأشهرها جبهة الإنقاذ الوطنى التى تشكلت من اتجاهات متنافرة ( بعض رموز نظام مبارك، الليبراليين ، الناصريين ، اليساريين ) أثرت على قدرتها فى اتخاذ المواقف الصحيحة فى التوقيت المناسب.
• وتهمنا الإشارة إلى أن عددا من رموز وأعضاء الحزب الوطنى لم يفقد الأمل فى المشاركة فى غنائم ثورة 25 يناير وكثير منها شارك فى أحزاب سياسية جديدة وبعضها شارك فى جبهة الإنقاذ مثل عمرو موسى .
• الليبراليون: وأشهرهم محمد البرادعى الذى حظى بشعبية واسعة منذ بادر بالإعلان عن استعداده للترشح لانتخابات الرئاسة فى أواخر عهد مبارك إلا أن تلك الشعبية تأرجحت بين الهبوط والثبات بسبب طبيعته الشخصية وإحجامه عن طرح برنامج اجتماعى يجذب له جماهير البسطاء واستغراقه فى السفر للخارج أوقاتا طويلة؛ علاوة على مواقفه المحاذية على مواقف جبهة الإنقاذ المتأخرة دوما والمتلكئة عن مواقف شباب الثورة والجماهير. ومثال آخر هو حزب الوفد صاحب المواقف المذبذبة والمترددة بين نظام الإخوان وشباب الثورة ، ومثال ثالث أكثر ترددا وانتهازية هو موقف حزب الغد ( أيمن نور ) الذى كسر إجماع الليبراليين فى رفض الحوار بلا أجندة مع الرئاسة مما أدى لانعزاله، وآخرين مثل عمرو حمزاوى الذى أيد بطريقة ملتبسة شعار المصالحة بعد ثورة 30 يونيو واستفز قطاعات واسعة من الليبراليين وشباب الثورة .. وهكذا.
• أما الناصريون فلم يستفيدوا من عديد من المزايا التى توفرت مؤخرا خلال نشاطهم السياسى مثل :
• الحصيلة التصويتية فى انتخابات الرئاسة التى حصدها ممثلهم ..حمدين صباحى .
• ما حققه أحد أبرز رموزهم – عزازى على عزازى- برفضه البقاء فى منصب محافظ الشرقية واستقالته فى أعقاب إنجاح جماعة الإخوان فى الرئاسة ورفض التعاون معهم .
• وشخصية بارزة أخرى – كمال أبو عيطة – الذى انتزع مع زملائه فى قطاع الضرائب العقارية عام 2009 نقابة هامة مستقلة من فم الأسد وصارت مضرب الأمثال فى صفوف معارضى النظام ؛ ورفعت أسهمه وأسهم حزب الكرامة فى الشارع.
• فضلا عن رئيس الحزب الناصرى – سامح عاشور – الذى تولى منصب نقيب المحامين فى الانتخابات الأخيرة.
وعلى العكس من ذلك ارتكب حزب الكرامة خطأ فاحشا بمشاركة الإخوان فى تحالف انتخابى أدخل سبعة من أعضائه لمجلس الشعب على قوائم ذلك التحالف الإخوانى إلا أنهم لم يقدموا شيئا ذا بال فى جلسات المجلس التى سبقت حله ؛ فهبطت بأسهمهم بشدة فى نظررجل الشارع والثوار وكثير من النخب ، والأهم من ذلك هو اعتمادهم على الكتل التصويتية لانتخابات الرئاسة لتأسيس تنظيم جديد باسم التيار الشعبى لم يشارك فى الارتباط بالجماهير الفقيرة ولم ينشط إلا فى الاحتجاجات الشعبية .. وهو ما أهدر كثيرا مما تم حصده.
• اليساريون :
• كان لأشهر تنظيمات اليسار الحكومى ( حزب التجمع ) موقف مناوئ ورافض للمشاركة فى ثورة يناير 2011 ، ومطابق لموقف جماعة الإخوان منها وهم ما لم يسئ إليه فقط بل أساء لليسار بشكل عام .
وعموما فإن من ترشحوا للبرلمان من اليساريين لم يجدوا صدى حقيقيا فى الشارع ، ومن ترشحوا للرئاسة لم يحصدوا من الأصوات ما يشى بنشاطهم فى الأوساط الشعبية ولم يكن مهموما فى نشاطه العملى بقضايا الفقراء إلا القليل كان أبرزهم هو أصغر المرشحين سنا وأحدثهم عهدا بالنشاط السياسى ( خالد على ) ، لكن نشاطهم الأوسع كان إعلاميا.
• ولم ينشط من العناصر العمالية إلا أعداد محدودة لا تتناسب مع حجم الطبقة العاملة ولا بما هومتوقع منها فى مثل هذه الظروف.
• وكذلك المتصدرون للكفاح الفلاحى الذين لا تملك الأغلبية الساحقة منهم برنامجا فلاحيا أو تصورا متماسكا ، وصلاتهم بالريف شديدة الضعف ؛ ويقتصر الجانب الأعظم لنشاطهم على الأمور الإعلامية والاحتفالية هذا من ناحية .
• ومن ناحية أخرى فإن اتحاد النقابات المستقلة يتعرض من الداخل لخلافات تبرز على السطح بين حين وآخر تشير إلى ضعف تماسكه ومن ثم فعاليته. ، وكذلك ما يسمى بنقابة الفلاحين التى أسستها الدولة منتصف عام 2011 عن طريق وزير الزراعة ( أيمن أبوحديد )، واتحاد الفلاحين الذى أسسه بعض قادة حزب التجمع ” اليسارى “.
• أما عن الأحزاب اليسارية الجديدة فقد شارك اثنان منها فى جبهة الإنقاذ الوطنى التى أبدينا مآخذنا عليها ، ولا نعتقد أن مواقف الحزبين قريبة من مواقف الجبهة وهو ما يضعف فعاليتهما فيها ؛ خصوصا وأن نشاطهما الجماهيرى فى مستوى أدنى مما تتطلبه المرحلة الراهنة الحافلة بالأحداث والتطورات المتسارعة.
أما الحزب الثالث ( العمال والفلاحين ) فقد امتنع عن المشاركة فى جبهة الإنقاذ وركز نشاطه على الطبقة العاملة والاحتجاجات الشعبية الراهنة.
ولإبراز حالة الاهتزاز وضعف الثبات التنظيمى والتخبط السياسى لأحد النماذج الحزبية اليسارية .. نشير لما حدث فى حزب التحالف الشعبى – العضو بجبهة الإنقاذ – فى انتخابات الرئاسة ( إبريل / مايو 2012 ) حيث رشح الحزب أحد قادته وتشكلت لجنة للدعاية الانتخابية .. لكن بعد أيام معدودة من بدء عملها فوجئ الرأى العام بتوقفها وانصراف أعضاء الحزب عن مرشحهم لدعم ثلاثة مرشحين آخرين للرئاسة أحدهم يسارى والآخر ناصرى والثالث إخوانى سابق .. وانفرط عقد الحملة الانتخابية.
ورغم ما تم عرضه لا يمكن فى تقديرنا قراءة موضوع الثورة بمجرد تتبع تفاصيلها اليومية أو / و بالمدى الذى تحققت به مطالب الشعب فقط ، لكن القراءة العميقة تكون بإضافة ما سبق إلى الحدود التى انتقل الشعب إليها من وضع ما قبل مبارك إلى وضع ما بعد مرسى وكيف تمت إزاحة الطغاة وفضح وخلخلة التنظيمات التى عششت فى أرجاء المجتمع على مدى يزيد عن ثلاثة أرباع القرن ، ويضاف إليها كذلك المستوى الذى بلغه الوعى السياسى للشعب والمشاركة الفعلية فى الأحداث .. والإصرار على التعلم وتحقيق أهداف الثورة.؛ كذلك الحالة المعنوية والنفسية لملايين المصريين التى خلقتها الثورتان ؛ والتصدعات المؤكدة فى جدار الخوف ؛ والشعور بالثقة فى النفس واليقين فى النصر والقدرة على التغيير .. وإدراك ذلك من مختلف القوى السياسية والاجتماعية من إسلاميين إلى أطلال وفلول الوطنى إلى الجيش وإلى مجمل النخب.
.إن ما ذكرناه عن اللاعبين الخمسة فى الساحة السياسية المصرية يُبرِز بشكل شديد الجلاء أن الشعب هو الطرف الأهم بل والأقوى – رغم أنه الأعزل – بينما الإسلاميون وبقايا الوطنى والجيش هى التى تتنافس على الإمساك بالسلطة أو إدارتها أو الإشراف عليها من خلف ستار أو على الأقل التأثير فيها لاعتبارات مختلفة .
ورغم التباين الواضح فى دوافعها المعلنة من بعضها البعض إلا أنها أقرب لبعضها فى المصالح والتوجهات حيث أن المسافة بين كل منها والآخر أضيق كثيرا مما بينها وبين الشعب.
وضع النخب فى الساحة السياسية :
أما النخب فهى أضعف اللاعبين أو أضعف أطراف المعادلة، وقد أثبتت الأيام والأحداث هزالها فى قدرتها على قيادة الشعب والأخذ بيده وقبلها فى الارتباط به ؛ فالنخب بوضعها الراهن ليست شيئا متجانسا وتختلف مصالحها وأفكارها وتتباين سواء فيما بين أقسامها المتنوعة ( ليبراليين ، ناصريين ، يساريين ) أو بينها ككل وبين الشعب ، ومن ناحية أخرى فإن كل قسم منها على حدة لم يستطع أن يلعب الدور الذى ينشده فى تطهير المجتمع من جملة الأمراض التى يعانيها أو حتى بعضها كالفساد والاستبداد وانخفاض مستوى المعيشة والبطالة والجوع أوفى استعادة الاستقلال الوطنى واسترداد الدولة لوزنها وهيبتها الإقليمية والدولية وتأمين مستقبل الأجيال القادمة إلخ.
وعليه فالنخب لاعب غائب أو موجود شكلا لكنه عاجز عن الفعل ولذلك فاللاعبون الثلاثة الآخرون- الإسلاميون والفلول والجيش-هم من يدور التنافس والصراع بينهم لفرض تصوراتهم على المجتمع.. سواء رضى الشعب أم لم يرض.
ولأن الشعب قد أزاح رئيسين وهتف ضد الثالث خلال المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير ولأنه لم يصل بعد إلى مستوى من التنظيم يُمَكنه من فرض تصوره لقيادة المجتمع والدولة فلا مناص من الإقرار بذلك ليس قبولا به وإنما استعداد للارتقاء بمستوى تنظيمه وانتزاع أسلحته السياسية للوصول إلى تطبيق الصيغة التى يتصورها مناسبة لتسيير دفة المجتمع من دستور إلى شكل وطريقة الحكم .. وهكذا .
وهناك بالطبع فارق شاسع بين الإقرار بما يفرزه ميزان القوى فى المجتمع وبين التسليم بالأمر الواقع والعزوف عن تغييره.
ولأن تعديل ميزان القوى لا يتحقق بتعويذة ولا يهبط فجأة من السماء بل يحتاج إلى جهود دءوبة وصبر وإعمال عقل ورويّة وانتقاء للأدوات الملائمة نسوق التصور التالى:
فى أعقاب إزاحة مبارك فى فبراير 2011 طرحتُ – حماية للثورة – ضرورة دعم مركزها ( فى المدن الكبرى) بمزيد من العمل والنشاط لتحريك محيطها فى الأقاليم والريف ولأن النخب تغيب عن الريف تماما ويرتع الإسلاميون فيه بلا عوائق فى ظل مناخ موات من الجهل والخرافة والتخلف يستلزم الأمر ضرورة التطرق إلى تاريخ الإسلاميين – خصوصا المسجل فى مذكرات قادتهم – بشأن رفضهم للإصلاح الزراعى( مبدءا وقانونا ) وإعلانهم عن مخالفته للإسلام ودعمهم للقوانين والإجراءات التى تجرد الفلاحين من أراضيهم وتحيلُهم فريسة للتشرد والبطالة ؛علاوة على إبراز موقفهم من الحركة الوطنية واستخدامهم العنف والقتل مع من يخالفونهم الرأى وهو ما يمكن أن يغير موقف الفلاحين منهم وبالتالى يساهم فى تعديل ميزان القوى. ولم يكن ذلك مجرد تصور بل تم تنفيذه عمليا فى المناطق التى تنشط فيها لجنة التضامن الفلاحى التى أنتمى إليها.
لقد كانت الثلاثون شهرا الماضية كفيلة بلعب هذا الدور لو اقتنعت النخب اليسارية والناصرية بذلك وكانت قادرة على المشاركة فى تنفيذه .. لكن الأمور لم تسر فى الاتجاه المطلوب وأُهدرَت فرصة ثمينة لا تتكرر كثيرا.
التوقيعات لا تسقط نظاما .. لكنها هزمت تيارا فاشيا:
سبق لعدد من الأصدقاء – إبان قيام الشباب بجمع التوقيعات لخلع الرئيس الإخوانى- أن ذكروا اعتراضا ضمنيا على جدوى حملة التوقيعات الجارية آنذاك قائلين: أن (التوقيعات لا تُسقط نظاما )، بل تُسقط القائمين بها فى الأوهام؛ ولأن المقولة صحيحة إذا ما اعتبرنا الجملة صماء أو “ترجمناها ترجمة حرفية” و تَأكدنا أن التوقيعات لا تمتلك قوة مادية ؛ أو إذا ما افترضنا الحملة بلا مقدمات تحضيرية.. ودون آثار وتداعيات لاحقة ، لكن الأحداث اندلعت لتوضيح أشياء كثيرة منها :
– أن حملة التوقيعات رفعت حرارة الشارع وحرّكته بعد أن كان ساكنا خصوصا وأن النخب- كل النخب – لم تقدم للجماهير ما يعاونها على استعادة نشاطها ولم تتقدم الصفوف لتوضح لها أن التوقيعات بمفردها لن تسقط النظام الحاكم لكنها إن ارتفقت بنشاط فعال يمكن أن تُفْضى إلى وضع أكثر تقدما .. يؤهلنا لمحاصرة النظام وإرباك خططه وتصوراته وهو ما لم يتبادر لأذهان النخب.
– وأنها كانت بمثابة المفجر الذى استثار غضب الشعب المتراكم طيلة عامين ونصف.
– كما أسهمت فى استجماع حشد بشرى تحدثت عنه شعوب العالم بإعجاب بالغ وهز أركان كل أعدائه فى الداخل والخارج ورفع معنوياته إلى عنان السماء.
– – وأفشل مخططات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وجماعة الإخوان فى وأد القضية الفلسطينية واستباحة سيناء بغزو جراد السلفيين الجهاديين ، وباغت الجميع وهم فى أوضاع مخزية وأفقدهم صوابهم .. إلخ.
– ونسأل : ماذا لو لم يقتصر حديث أصدقائنا على التصريح بعبارة ( التوقيعات لا تسقط نظاما ) وبدلا من ذلك تقدموا الصفوف وشاركوا فى الحملة وفسروا عبارتهم ؟ ألم يكن ذلك أجدى لإحساس الشباب أن هنا من يدفعهم للأمام ويأخذ بيدهم بدلا من إحساسهم بأن هناك من يكسر مجاديفهم ؟
– ولأن الشعب لا ينصت إلا لمن يشاركه العمل كتفا بكتف ؛ ولأنه لا يثق إلا فى تجربته الخاصة حيث سبق له أن رفع شعارات فى ثورة يناير ما لبث أن رفع عكسها بعد شهور كما حدث مع مجلس طنطاوى العسكرى ثم مع جماعة الإخوان ؛ فإن التجربة تلزمنا بأن نقر أن كفاح كل النخب على مدى أربعين عاما لم يمكنا من كشف حقيقة الإسلام السياسى بقدر ما كشفتها تجربة الشباب الذى احتج وتظاهر وجمع التوقيعات؛ وتؤكد أنه فى طريقه لأن يستكمل تنظيم نفسه وانتزاع بقية أسلحته وامتلاك مصيره فى المرة القادمة لسبب بسيط هو أن أهداف ثورته التى لم تتحقق بعد .. يقف خلفها حائط صد أخير إسمه الجوع .. فهل نتريث؟!

الخميس 25 يوليو 2013 بشير صقر
لجنة التضامن الفلاحى – مصر